< من فيتنام إلى إيران.. أكاديمي أمريكي يحلل "نمط التراجع" عن الالتزامات الدولية لواشنطن
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

من فيتنام إلى إيران.. أكاديمي أمريكي يحلل "نمط التراجع" عن الالتزامات الدولية لواشنطن

الرئيس نيوز

في طرح نقدي موضوعي لمسارات السياسة الخارجية، نشر موقع كاونتر بنش الأمريكي مقالا حول مصداقية السياسة الخارجية الأمريكية، مستندا إلى سجل طويل من الاتفاقات التي لم تلتزم بها واشنطن، وقدم الكاتب جورج كاتسيافيكاس، وهو أكاديمي وكاتب أمريكي، قراءة تمتد بين التاريخ والسياسة، ورجح أن سلوك الولايات المتحدة في العلاقات الدولية يعكس نمطا متكررا من التراجع عن الالتزامات، وليس مجرد أخطاء معزولة أو قرارات ظرفية.

أزمة ثقة تتجدد في الملف الإيراني

ويركز الكاتب على الملف الإيراني باعتباره أحدث تجليات أزمة الثقة بين واشنطن وطهران. ويشير إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حاولت تقديم صورة انتصار سياسي في المواجهة مع إيران، عبر خطاب يتحدث عن الحسم والضغط الأقصى، رغم أن النتائج الفعلية، بحسب الطرح، لا تعكس أي انتصار حقيقي يمكن البناء عليه.

ويضيف المقال أن طريقة إدارة المفاوضات اتسمت بالضغط السريع ومحاولة فرض الشروط بدل التفاوض المتدرج، حيث تم تقديم ما وصفه المبعوثون الأمريكيون بأنه “العرض النهائي والأخير” خلال فترة قصيرة من النقاشات. ويرى الكاتب أن هذا الأسلوب يعكس منطق الإكراه السياسي، لا منطق التسوية الدبلوماسية، وهو ما يضعف فرص بناء اتفاق مستقر.

الاتفاق النووي كنقطة كسر للثقة

يشير كاتسيافيكاس إلى الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، المعروف باسم اتفاق خطة العمل الشاملة المشتركة، باعتباره أحد أكثر النماذج تعقيدا في الدبلوماسية الحديثة، حيث استغرق سنوات من التفاوض بين إيران ومجموعة دول كبرى للوصول إليه.

لكن الكاتب يؤكد أن هذا الإنجاز الدبلوماسي تعرض لاحقا لانتكاسة كبيرة بعد انسحاب الولايات المتحدة منه بشكل أحادي خلال إدارة ترامب، مع إعادة فرض العقوبات الاقتصادية على إيران. ويعتبر أن هذا القرار لم يضعف الاتفاق فقط، بل وجه رسالة سلبية مفادها أن الالتزامات الأمريكية يمكن إلغاؤها بسهولة بتغير الإدارة السياسية.

كما يضيف أن إدارة لاحقة أعلنت نيتها إعادة بعض الأموال الإيرانية المجمدة، لكن التنفيذ ظل جزئيا أو غير مكتمل، وهو ما يعزز، بحسب الكاتب، صورة عدم الاستقرار في التعهدات الأمريكية.

مقارنة تاريخية مع فيتنام وكوريا

وينتقل المقال إلى سياق تاريخي أوسع، حيث يقارن الوضع الحالي بتجارب سابقة في فيتنام وكوريا الشمالية. ويشير إلى أن الولايات المتحدة وقعت اتفاقيات سلام أو تهدئة مع هذه الدول، لكنها لم تلتزم بها بالكامل في مراحل لاحقة، سواء من حيث الانسحاب العسكري أو الدعم الاقتصادي أو تخفيف العقوبات.

ويستعيد الكاتب مفاوضات حرب فيتنام التي قادها دبلوماسيون أمريكيون بارزون مثل هنري كيسنجر، والتي انتهت إلى اتفاق باريس عام 1973 بعد سنوات طويلة من المفاوضات المعقدة. لكن، بحسب الطرح، فإن ما تلا الاتفاق لم يكن دائما متسقا مع الوعود المعلنة، سواء في إعادة الإعمار أو في احترام بنود التفاهمات السياسية.

المعاهدات مع السكان الأصليين: سجل طويل من نقض التعهدات 

ويخصص المقال جزءا مهما لما يسميه “سجل المعاهدات المنقوضة” مع السكان الأصليين في الولايات المتحدة، حيث تم توقيع مئات الاتفاقيات التاريخية مع قبائل مختلفة، لكن نسبة كبيرة منها لم يتم احترامها أو تم الالتفاف عليها لاحقا. ويرى الكاتب أن هذا المثال لا يمثل مجرد صفحة تاريخية، بل يعكس نمطا مؤسسيا متكررا في طريقة تعامل الدولة الأمريكية مع الالتزامات القانونية والسياسية عندما تتغير الأولويات.

القانون الدولي والالتزام الانتقائي

ينتقد المقال ما يعتبره انتقائية أمريكية في التعامل مع القانون الدولي، حيث تلتزم الولايات المتحدة بالاتفاقيات والمعايير الدولية عندما تتوافق مع مصالحها، لكنها تتجاهلها أو تنسحب منها عندما تصبح مقيدة لحركتها السياسية أو العسكرية.

ويشير إلى انسحاب الولايات المتحدة من اتفاق باريس للمناخ، وعدم انضمامها إلى المحكمة الجنائية الدولية، إضافة إلى تجاهل بعض قرارات محكمة العدل الدولية، باعتبارها أمثلة على هذا النهج.

البعد الجيوسياسي والتصعيد

يحذر الكاتب من أن هذا السلوك لا يقتصر على الجانب القانوني، بل يمتد إلى إدارة الأزمات الدولية، حيث يرى أن غياب الثقة المتبادلة بين الولايات المتحدة وبعض الدول، مثل إيران، يجعل فرص التهدئة أكثر هشاشة، ويفتح الباب أمام دورات متكررة من التصعيد.

كما يشير إلى أن الخطاب السياسي المتشدد، سواء من خلال التهديدات أو إعلان الانتصارات السياسية المبكرة، قد يؤدي إلى تعقيد مسارات التفاوض بدل تسهيلها.

نمط متكرر وصورة تراكمية لا حادثة واحدة

يخلص جورج كاتسيافيكاس إلى أن المشكلة، من وجهة نظره، ليست في إدارة أمريكية واحدة أو رئيس بعينه، بل في نمط تاريخي متكرر في السياسة الخارجية الأمريكية. هذا النمط، بحسب تحليله، يجعل الثقة في الولايات المتحدة مسألة صعبة، لأن الالتزامات الدولية غالبا ما تخضع للحسابات الداخلية والتغيرات السياسية.

ويرى أن هذا التاريخ الممتد من فيتنام إلى إيران يضع علامة استفهام كبرى حول مستقبل الدبلوماسية الأمريكية، خاصة في ظل أزمات دولية متصاعدة تتطلب قدرا أعلى من الاستقرار والموثوقية.