< ألوان من الاعتداءات: “الاحتلال الرقمي” الإسرائيلي لجنوب لبنان
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

ألوان من الاعتداءات: “الاحتلال الرقمي” الإسرائيلي لجنوب لبنان

الرئيس نيوز

تحولت السماء في جنوب لبنان إلى ساحة مراقبة نشطة تفرض حضورا دائما على حياة السكان اليومية. وقالت شبكة الجزيرة، في تقرير تليفزيوني بالإنجليزية، إن وجود الطائرات المسيرة أصبح جزءا ثابتا من المشهد، ما خلق حالة مستمرة من الترقب والقلق، حيث يشعر الأهالي بأن تفاصيل حياتهم الخاصة لم تعد بعيدة عن الرصد، أينما ذهبوا حتى عند زيارتهم للمقابر، إذ أصبحت الزنانات الإسرائيلية تنافس أسراب الطيور في التحليق في السماء.

وتشير تحليلات أمنية ودراسات بحثية غربية إلى أن هذا النمط من المراقبة لا ينفصل عن تطور أوسع في أدوات السيطرة الحديثة، حيث يتم توظيف التكنولوجيا الرقمية والطائرات بدون طيار كجزء من منظومة متكاملة لجمع البيانات وتحليل السلوكيات البشرية في مناطق النزاع. هذه المنظومة لا تقتصر على الرصد العسكري التقليدي، بل تمتد إلى تتبع أنماط الحياة اليومية والاتصالات والتحركات الاجتماعية.

وفي هذا السياق، تبرز فكرة “المجال الرقمي المراقب” كامتداد جديد لمفاهيم السيطرة غير المباشرة، حيث يصبح الفضاء الإلكتروني والهوائي جزءا من بنية أمنية واحدة. تقارير بحثية تناولت نماذج مشابهة في مناطق أخرى من الشرق الأوسط أشارت إلى أن هذا النوع من المراقبة يخلق واقعا مزدوجا، يعيش فيه السكان حياة مدنية ظاهريا، بينما تخضع تفاصيلها لتحليل مستمر في الخلفية.

كما توضح دراسات في مجال التكنولوجيا والسياسة أن التحول نحو الاعتماد على المراقبة الجوية والرقمية يعيد تشكيل طبيعة الصراع نفسه، بحيث لا يعود محصورا في خطوط تماس واضحة، بل يمتد إلى ما يمكن وصفه بـ”المساحات الرمادية”، حيث تختلط الأبعاد الأمنية بالحياة المدنية بشكل يصعب فصلهما عن بعضهما.

وتضيف بعض الأبحاث الغربية أن هذا النمط من “التحكم عن بعد” يعتمد على دمج قدرات الاستطلاع الجوي مع تحليل البيانات الضخمة، ما يسمح ببناء صورة دقيقة عن البيئة السكانية دون الحاجة إلى وجود عسكري واسع على الأرض. هذا التطور يعكس انتقالًا في مفاهيم القوة من السيطرة الميدانية المباشرة إلى السيطرة المعلوماتية المستمرة.

وفي المقابل، يشير خبراء في قضايا الأمن الرقمي إلى أن هذا النوع من المراقبة يثير تساؤلات متزايدة حول حدود الخصوصية في مناطق النزاع، وحول تأثيره النفسي والاجتماعي على المجتمعات التي تعيش تحت هذا النوع من الضغط المستمر، حيث يصبح الشعور بالمراقبة عاملا مؤثرا في السلوك اليومي حتى في غياب المواجهة المباشرة.

كما تربط تحليلات بحثية بين هذا الواقع وبين مفهوم أوسع يعرف بـ”الاحتلال الرقمي”، وهو مفهوم يشير إلى استخدام أدوات التكنولوجيا الحديثة لإعادة إنتاج أنماط السيطرة بشكل غير تقليدي، من خلال البيانات والمراقبة بدلًا من الوجود العسكري الكثيف.

ويعكس الوضع في جنوب لبنان تحولات أعمق في طبيعة الصراعات المعاصرة، حيث لم تعد السيطرة تمارس فقط عبر الأرض، بل أصبحت السماء والفضاء الرقمي جزءًا من منظومة واحدة ممتدة، تجعل الحدود بين الأمن والحياة اليومية أكثر ضبابية، وتحول المراقبة إلى عنصر دائم في المشهد العام لا ينفصل عن الواقع الاجتماعي من المعاناة في الحياة اليومية للسكان.