< هل ينجح محور القاهرة-أسمرة في تقييد طموحات أديس أبابا؟
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

هل ينجح محور القاهرة-أسمرة في تقييد طموحات أديس أبابا؟

الرئيس نيوز

يشهد التقارب المتصاعد بين القاهرة وأسمرة تحولات تتجاوز حدود التعاون التقليدي بين دولتين جارتين، ليأخذ شكل اصطفاف إقليمي متدرج يثير قلقًا متزايدًا في أديس أبابا. هذا التطور لا يقرأ في إثيوبيا كتحرك دبلوماسي عابر، بل كإعادة تموضع استراتيجي قد يؤثر على ميزان القوى في القرن الإفريقي والبحر الأحمر في آن واحد، خاصة في ظل تصاعد التنافس الإقليمي على النفوذ والممرات الحيوية، وفقا لصحيفة هورن ريفيو الإثيوبية.

في جوهر المخاوف الإثيوبية، تكمن فكرة أن هذا التقارب قد يتحول إلى منصة ضغط سياسية وأمنية متعددة الأبعاد. فالقاهرة، التي تنظر إلى أمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي كامتداد مباشر لأمنها القومي، تعزز حضورها عبر شراكات إقليمية، بينما تمثل أسمرة شريكًا يتمتع بموقع جغرافي بالغ الحساسية على أحد أهم الممرات البحرية في العالم. هذا التلاقي في المصالح يمنح التحالف المحتمل وزنًا يتجاوز العلاقات الثنائية، ويثير تساؤلات في أديس أبابا حول حدود تأثيره على ملفات استراتيجية، وعلى رأسها ملف المياه وسد النهضة الذي يشكل محورًا أساسيًا في صراع النفوذ بين إثيوبيا ومحيطها الإقليمي.

من منظور إثيوبي، لا يقتصر القلق على البعد السياسي فحسب، بل يمتد إلى البنية الجيوسياسية للمنطقة بأكملها. فإريتريا تطل على واجهة بحرية استراتيجية على البحر الأحمر، وهو شريان حيوي للتجارة العالمية والطاقة، وأي تقارب يعزز التنسيق بين القاهرة وأسمرة قد يُنظر إليه كإعادة توزيع غير مباشر لمفاتيح التأثير في هذا الممر البحري. وهذا ما يجعل أديس أبابا تخشى من تقييد طموحاتها طويلة الأمد في الحصول على منفذ بحري مستقر، وهو ملف ظل حاضرًا في خطابها السياسي لعقود.

كما أن العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا نفسها تضيف طبقة إضافية من الحساسية إلى المشهد. فالتاريخ الممتد من الحرب إلى السلام الهش بين البلدين لم ينجح في إزالة جذور انعدام الثقة بالكامل. لذلك، فإن أي اصطفاف إريتيري مع قوة إقليمية كبرى مثل مصر يُقرأ في أديس أبابا من زاوية احتمالية إعادة توظيف هذا التقارب في معادلات ضغط غير مباشرة، سواء عبر السياسة أو الأمن أو حتى الاقتصاد.

وفي المقابل، تتحرك القاهرة وفق منهجية ترى في هذا التقارب فرصة لتعزيز العمق الاستراتيجي في منطقة شديدة الاضطراب، حيث يشكل القرن الإفريقي امتدادًا طبيعيًا لمعادلات الأمن القومي المصري المرتبطة بالبحر الأحمر وشرق إفريقيا. أما أسمرة، فتنظر إلى هذا التقارب باعتباره وسيلة لإعادة تثبيت موقعها كلاعب إقليمي بعد سنوات من العزلة، عبر الانخراط في شبكة علاقات تمنحها هامش حركة أوسع سياسيًا واقتصاديًا.

لكن ما يجعل المشهد أكثر حساسية هو أن هذا الاصطفاف الناشئ لا يحدث في فراغ، بل في بيئة إقليمية تتسم بتداخل النزاعات وتعدد خطوط التوتر. فإثيوبيا، التي تواجه تحديات داخلية وإقليمية مزمنة، ترى في أي تقارب بين خصومها المحتملين عنصرا إضافيا يزيد من تعقيد حساباتها الاستراتيجية. لذلك، فإن المخاوف في أديس أبابا لا تقتصر على الحاضر، بل تمتد إلى المستقبل، حيث ينظر إلى هذا التحالف كعامل قد يعيد رسم خرائط النفوذ في القرن الإفريقي والبحر الأحمر لعقود قادمة.