< كيف دفع "ترامب" الحلفاء الأوروبيين للبحث عن بدائل للنظام الأمريكي؟
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

كيف دفع "ترامب" الحلفاء الأوروبيين للبحث عن بدائل للنظام الأمريكي؟

الرئيس نيوز

شهدت العلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها التقليديين تحولا عميقا وغير مسبوق في الآونة الأخيرة، حيث بدأت القوى الأوروبية في إعادة تقييم اعتمادها التاريخي على واشنطن، في ظل سياسات وصفت بأنها متقلبة وغير متوقعة خلال فترة رئاسة دونالد ترامب، ما دفع عواصم أوروبية إلى تسريع خطوات بناء استقلال اقتصادي واستراتيجي يقلل من تأثير القرارات الأمريكية المفاجئة، وفقا لمنصة ذا إنترربتر التابعة لمعهد ليوي الأسترالي.

وتكشف التطورات الأخيرة أن الحلفاء لم يعودوا مستعدين للانتظار حتى تعيد الولايات المتحدة ضبط سلوكها الدولي، بل بدأوا بالفعل في اتخاذ إجراءات عملية لتقليل الاعتماد على النظام المالي الأمريكي وسلاسل الإمداد المرتبطة به، في تحول يعكس تراجع الثقة في استقرار السياسة الأمريكية على المدى الطويل.

وفي قلب هذا التحول، تتسع الفجوة بين واشنطن وأوروبا بشأن ملفات التجارة والدفاع والالتزامات الدولية، خصوصًا بعد سلسلة من الإجراءات الأمريكية التي شملت فرض رسوم تجارية أحادية، وتجميد أصول خارجية، والضغط على الشركاء عبر أدوات مالية ونقدية، ما اعتبرته العديد من الدول الأوروبية تجاوزًا للأعراف الاقتصادية التقليدية.

ويتمثل أحد أبرز ملامح هذا التحول في سعي أوروبا إلى تقليل اعتمادها على البنية المالية الأمريكية، من خلال تطوير أنظمة دفع رقمية بديلة، والعمل على إنشاء منظومات مالية محلية تنافس شبكات الدفع العالمية المرتبطة بالولايات المتحدة، في محاولة للحد من النفوذ الأمريكي في القطاع المالي العالمي.

كما برزت خطوات رمزية لكنها ذات دلالة استراتيجية، مثل نقل بعض احتياطيات الذهب الأوروبية من الخارج إلى الداخل الأوروبي، في مؤشر على تزايد المخاوف من إمكانية استخدام الأصول المالية كأداة ضغط سياسي في النزاعات المستقبلية، وهو ما يعكس تغيرًا في طريقة تفكير العواصم الأوروبية تجاه مفهوم “الأمان المالي”.

وعلى المستوى التكنولوجي، بدأت دول أوروبية في البحث عن بدائل للبرمجيات الأمريكية المستخدمة في المؤسسات الحكومية والمالية، في ظل مخاوف من إمكانية تقييد الوصول إلى الخدمات الرقمية الحيوية في حال حدوث خلافات سياسية. هذا التوجه يعكس إدراكًا متزايدًا بأن السيطرة على البنية الرقمية أصبحت جزءا من أدوات القوة الجيوسياسية.

في قطاع الدفاع، تتسارع خطوات إعادة التوازن، حيث أطلقت أوروبا برامج لتعزيز قدراتها العسكرية المشتركة وتقليل الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية. هذه المبادرات تأتي في سياق قناعة متزايدة بأن الضمانات الأمنية الأمريكية لم تعد بنفس المستوى من الثبات الذي كانت عليه في العقود الماضية.

وفي الخلفية، تشير التحليلات إلى أن هذه التحولات لا تُعد رد فعل مؤقتًا، بل بداية إعادة تشكيل طويلة الأمد للعلاقة بين الولايات المتحدة وحلفائها. فالتجارب الأخيرة، بما فيها السياسات التجارية المتشددة والتباينات في ملفات دولية كبرى، دفعت العديد من الدول إلى إعادة التفكير في مستوى اعتمادها الاستراتيجي على واشنطن.

كما تعكس استطلاعات الرأي الدولية تراجعًا في صورة القيادة الأمريكية عالميا، في مقابل صعود قوى أخرى في التقييم الشعبي الدولي، ما يعزز الشعور داخل أوروبا بأن النظام العالمي يدخل مرحلة أكثر تعددية وأقل اعتمادا على مركز واحد للقرار.

وتتجه أوروبا تدريجيًا نحو بناء منظومة اقتصادية وأمنية أكثر استقلالا، في وقت يبدو فيه أن العلاقة مع الولايات المتحدة تمر بمرحلة إعادة تعريف شاملة، لا تقتصر على الخلافات السياسية، بل تمتد إلى إعادة تشكيل قواعد الاعتماد المتبادل التي حكمت النظام الغربي على مدار عقود طويلة.