ألسنة ذهبية وحرق جثث.. كواليس الطقوس الجنائزية الغامضة في مصر الرومانية
سلط الباحث راديو رادلي، بصحيفة أركيولوجي نيوز، الضوء على اكتشاف فريق من جامعة برشلونة ومعهد الشرق الأدنى القديم، مقبرة تعود للعصر الروماني في منطقة البهنسا بمحافظة المنيا، وهي المدينة التي عرفت في العصور القديمة باسم أوكسيرينخوس.
وأضاف رادلي أن هذا الاكتشاف يضيف تفاصيل جديدة إلى طقوس الدفن في تلك الحقبة، ويكشف عن مزيج من المومياوات، ودفنات الحرق، وأدوات طقسية مرتبطة بالمعتقدات حول الحياة بعد الموت. وتكمن أهمية الموقع في أنه كان مركزا حضاريا بارزا، حيث امتزجت فيه التقاليد المصرية القديمة مع التأثيرات اليونانية والرومانية، مما جعله نقطة تلاقي ثقافي وديني فريدة.
وجاءت أبرز المكتشفات كالآتي:
- العثور على مومياوات داخل توابيت خشبية، بعضها ما زال ملفوفا بأقمشة مزخرفة بأنماط هندسية دقيقة، تعكس مستوى متقدما من الحرفية.
- اكتشاف ألسنة صغيرة مصنوعة من الذهب وأخرى من النحاس وضعت داخل أفواه الموتى، وهي ممارسة نادرة تهدف إلى منح المتوفى القدرة على الكلام في العالم الآخر، وهو تقليد ورد في النصوص القديمة لكنه نادر الحفظ بهذا الشكل المادي الواضح.
- وجود آثار من أوراق الذهب على بعض المومياوات، ما يشير إلى عناية دقيقة في تجهيز الجثث وإبراز مكانة اجتماعية خاصة لبعض الأشخاص بالمقبرة.
البردية النادرة
من بين العناصر الأبرز بالمقبرة، وجدت بردية داخل إحدى المومياوات تحتوي على مقاطع من الكتاب الثاني من ملحمة الإلياذة لهوميروس، والمعروفة باسم "قائمة السفن" التي تسرد القوات اليونانية في حرب طروادة.
وجود هذا النص في دفن مصري يعكس استمرار تأثير الأدب اليوناني في الحياة الثقافية خلال العصر الروماني، ويؤكد أن التراث الأدبي كان جزءًا من الممارسات الجنائزية، ربما كوسيلة رمزية للربط بين العالمين الأرضي والآخر.
البنية المعمارية والدفنات الطقسية
- اكتشاف مجمع من الحجر الجيري مكون من ثلاث غرف، إحداها احتوت على جرة كبيرة تضم بقايا محترقة لشخص بالغ وعظام طفل ورأس حيوان ملفوفة بالقماش، وهو مشهد يعكس طقوسًا معقدة تجمع بين البشر والحيوانات في سياق جنائزي.
- تم العثور على غرفة أخرى احتوت على بقايا محروقة لشخصين ممزوجة بعظام حيوانات مشابهة، مما يدل على تنوع طرق الدفن بين التحنيط والحرق، وربما يعكس اختلافات في المعتقدات أو المكانة الاجتماعية.
الرموز الدينية
عثر أيضًا على تماثيل صغيرة من الفخار والبرونز، منها صور للإله هربوقراط، وأخرى تشبه شخصية كيوبيد، ما يعكس مزيجا من التقاليد الدينية المصرية واليونانية الرومانية التي أثرت في طقوس الدفن. هذه الرموز تكشف عن تداخل المعتقدات، حيث كان المصريون يدمجون عناصر من الديانات الأجنبية في ممارساتهم، مما يعكس انفتاحًا ثقافيًا وروحيًا واسعًا.
التحديات والنهب
تشير أجزاء من المقبرة إلى تعرضها للنهب في فترات سابقة، حيث تضررت بعض التوابيت وغرف الدفن، مما ترك العديد من البقايا في حالة سيئة. ومع ذلك، يظل الموقع مصدرًا مباشرًا لفهم الطقوس الجنائزية التي كانت معروفة سابقًا من النصوص فقط. ورغم فقدان بعض القطع، فإن المكتشفات الباقية تقدم أدلة ملموسة على الممارسات الجنائزية وتنوعها في تلك الحقبة.
أهمية الاكتشاف
هذا الاكتشاف يقدم رؤية شاملة عن كيفية استعداد سكان أوكسيرينخوس للموت والحياة الأخرى، ويكشف عن التداخل الثقافي بين مصر واليونان وروما في تلك الحقبة. كما يساهم في إثراء معرفتنا بتاريخ الجنائز والطقوس الدينية، ويؤكد على أهمية مصر كمركز حضاري متعدد الثقافات في العصور القديمة.
إضافة إلى ذلك، فإن وجود نصوص أدبية مثل الإلياذة داخل الدفنات يعكس أن الثقافة لم تكن مجرد نشاط يومي، بل امتدت لتكون جزءًا من الطقوس الروحية والجنائزية، مما يفتح الباب أمام دراسات جديدة تربط بين الأدب والدين والممارسات الاجتماعية في العالم القديم.