< دماء على الشاشات مباشرة.. غياب الإنسانية عن حرب إسرائيلية أمريكية بإيقاع ألعاب الفيديو
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

دماء على الشاشات مباشرة.. غياب الإنسانية عن حرب إسرائيلية أمريكية بإيقاع ألعاب الفيديو

الرئيس نيوز

في الحروب التقليدية، كانت المسافة الجغرافية والنفسية تفصل بين من يطلق النار ومن يسقط ضحية. ولكن اليوم، وفقا لصحيفة لوموند دبلوماتيك، تلاشت هذه المسافة تقريبًا. 

ومن داخل غرف العمليات، وعبر شاشات عالية الدقة، تدار ضربات عسكرية لحظية تبث أصداؤها مباشرة على منصات التواصل، في مشهد يخلط بين الواقع والعالم الافتراضي إلى حد غير مسبوق. هذا التحول، الذي رصده تحليل الصحيفة الفرنسية، جعل من الحروب الحديثة أقرب إلى “مشاهدة حية” منه إلى تجربة إنسانية تُدرك فيها كلفة الدم، خاصة في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المدعومة أمريكيا، حيث تستخدم تقنيات الاستهداف الذكي والطائرات بدون طيار بشكل مكثف. 

وتعتمد هذه المنظومة على مزيج من الذكاء الاصطناعي، والبيانات الضخمة، والمراقبة المستمرة، ما يسمح بتحديد الأهداف وتنفيذ الضربات بسرعة قياسية. في هذا النموذج، يصبح القرار العسكري أقرب إلى عملية حسابية لما في ذلك بيانات التدخل، وخوارزميات التحليل، وضربات تنفذ. 

لكن هذا “التبسيط التقني” يخفي تعقيدا أخلاقيا هائلا، إذ إن تقليص زمن القرار والمسافة البشرية قد يؤدي إلى خفض الحساسية تجاه الخسائر المدنية. تقارير صحفية غربية تشير إلى أن هذا النمط من الحرب يخلق ما يعرف بـ“تجريد الضحية من إنسانيتها”، حيث ترى الأهداف كنقاط على شاشة أكثر من كونها حياة بشرية، وفقا لصحيفة نيويورك تايمز.

في المقابل، تلعب وسائل الإعلام ومنصات التواصل دورا مزدوجا. فمن جهة، تتيح نقلا فوريا في الوقت الفعلي لما يحدث، وتكشف حجم الدمار والخسائر بشكل غير مسبوق. ومن جهة أخرى، تسهم في تحويل الحرب إلى محتوى قابل للاستهلاك السريع، حيث تختزل المأساة وسقوط الضحايا في مقاطع قصيرة وصور صادمة تتكرر ثم تتكرر على الشاشات المحمولة حتى تفقد أثرها. 

هذا “التشبع البصري” قد يؤدي إلى نوع من التبلد الجماعي، بحيث يصبح العنف مشهدا مألوفا بدل أن يكون صادما. وقد حذرت تحليلات إعلامية من أن تكرار صور الدمار دون سياق إنساني عميق يُفرغها من معناها الأخلاقي، وفقا لهيئة الإذاعة البريطانية.

البعد الآخر الأكثر حساسية هو العلاقة بين التكنولوجيا والمسؤولية. فمع تزايد الاعتماد على الأنظمة المؤتمتة، يطرح سؤال: من يتحمل القرار النهائي؟ هل هو القائد العسكري، أم المبرمج، أم الخوارزمية نفسها؟ في حالات كثيرة، يصبح من الصعب تتبع سلسلة القرار بدقة، ما يخلق “منطقة رمادية” قانونيًا وأخلاقيًا. تقارير غربية تشير إلى أن القوانين الدولية لم تلحق بعد بوتيرة هذا التطور، خاصة فيما يتعلق باستخدام الذكاء الاصطناعي في الاستهداف العسكري، وهو ما يفتح الباب أمام جدل واسع حول شرعية هذه الممارسات.

كما أن الدعم العسكري والتكنولوجي الأمريكي يلعب دورًا محوريًا في هذا المشهد، سواء من حيث تزويد الأنظمة المتقدمة أو تبادل المعلومات الاستخباراتية. هذا البعد يجعل الحرب ليست فقط صراعًا إقليميًا، بل جزءًا من منظومة أوسع تعكس توازنات القوى العالمية. وفي هذا السياق، ترى بعض التحليلات أن ما يحدث يمثل نموذجًا لحروب المستقبل، حيث تتداخل التكنولوجيا مع السياسة بشكل كامل، وتُدار العمليات من خلف الشاشات بقدر ما تدار على الأرض. 

ووفقا لصحيفة الجارديان البريطانية، لا تكمن خطورة هذا النموذج فقط في قدرته التدميرية، بل في تأثيره على إدراكنا للحرب نفسها. حين تتحول المعارك إلى “بث مباشر”، وتختزل الأرواح في بيانات، يصبح الخطر الأكبر هو فقدان الإحساس بالقيمة الإنسانية للحياة. وبينما تتقدم التكنولوجيا بسرعة، يبقى السؤال الأهم: هل يمكن للإنسان أن يحافظ على إنسانيته في حرب تدار كأنها إحدى ألعاب الفيديو أم أن الشاشة ستتمكن من فصل البشر نهائيًا عن واقع الدم وحقيقة سقوط الضحايا.