جدل في البنتاجون.. وزير الحرب الأمريكي يقتبس من فيلم لتارانتينو على أنه نص ديني
لم يكن مفاجئًا أن يقف وزير الحرب الأمريكي بيت هيجسيث، المذيع السابق في قناة فوكس نيوز والمسيحي القومي الذي أعلن مرارًا أن حرب إيران "حرب مقدسة"، أمام ضباط البنتاجون ليتلو عليهم ما كان يظنه آية من الكتاب المقدس، فإذا بها في الحقيقة حوار من فيلم هوليوودي يصف مشهد إعدام دموي، لكن حتى في عالم إدارة ترامب الثانية المليء بالمفاجآت، كان هذا الحادث لافتًا إلى درجة يصعب تجاهلها، وفقًا لتقرير ريتشارد لوسكومب بصحيفة "الجارديان" البريطانية.
البنتاجون يتحول إلى كنيسة
منذ توليه منصبه، حوّل هيجسيث مبنى البنتاجون إلى فضاء شبه ديني، إذ أطلق سلسلة من جلسات الصلاة الأسبوعية تحت شعار "مباركة جهود الحرب ضد إيران".
وفي آخر هذه الجلسات، وقف وزير الحرب أمام ضباط وجنود من طواقم البحث والإنقاذ القتالي، وتلا ما قدّمه باعتباره صلاة مستوحاة من الآية السابعة عشرة في الإصحاح الخامس والعشرين من سفر حزقيال في العهد القديم، مؤكدًا أنها معروفة في الأوساط العسكرية تحت مسمى "صلاة CSAR 2517"، وأنها تتلى تقليديًا على طواقم الإنقاذ.
لكن المستمعين اليقظين، ومن تابعوا المقطع لاحقًا على الإنترنت، اكتشفوا على الفور أن الكلمات التي نطق بها الوزير لا تمت بصلة تُذكر إلى النص التوراتي الأصلي، بل إنها أقرب في كل كلمة ونبرة إلى خطاب شهير في واحد من أكثر أفلام التسعينيات حضورًا في الذاكرة الثقافية الأمريكية.
ثلاثة نصوص وتشابه يصعب تجاهله
نشرت مجلة "نيوزويك" تحليلًا مقارنًا وضعت فيه النصوص الثلاثة جنبًا إلى جنب لتتضح الصورة كاملة.
الآية التوراتية الأصلية في سفر حزقيال قصيرة ومباشرة: “وسأنزل بهم انتقامًا عظيمًا بتوبيخ صارم، فيعلمون أني أنا الرب حين أضع انتقامي عليهم”، وهي في الأصل لعنة موجهة إلى الكريتيين، أعداء بني إسرائيل التاريخيين، وترجع إلى القرن الخامس قبل الميلاد.
أما سفر حزقيال ذاته، فيصف نبيًا صاخبًا مسرحيًا يلجأ إلى أداء مشاهد في الشوارع لاستقطاب الجماهير وإيصال رسالته إليها.
في المقابل، جاء نص الممثل صامويل ل. جاكسون في فيلم "بالب فيكشن" — الذي أخرجه كوينتن تارانتينو عام 1994 — طويلًا ومتقنًا، يلقيه شخصية جولز وينفيلد مباشرة قبل تنفيذ حكم الإعدام في أحد الشخصيات: "طريق الرجل الصالح محاصر من كل جانب بفساد الأنانيين وطغيان الأشرار، طوبى لمن يرشد الضعفاء في وادي الظلام باسم الإحسان والخير، فهو حقًا حارس أخيه وراعي الأطفال الضائعين، وسأضرب بانتقام عظيم وغضب محرق كل من يحاول تسميم إخوتي وتدميرهم، وستعلمون أن اسمي الرب حين أنزل انتقامي عليكم." وقد نال جاكسون ترشيحًا لجائزة الأوسكار عن فئة أفضل ممثل مساعد.
أما ما قاله هيجسيث، فكان شبه منقول حرفيًا مع تعديلات طفيفة لمناسبة الغرض العسكري؛ إذ استبدل "الرجل الصالح" بـ"الطيار المظلي"، وحلت "الرفقة والواجب" محل "الإحسان والخير"، فيما ختم النص بعبارة بدت وكأنها من فيلم آخر تمامًا: "وستعلمون أن إشارتي المميزة هي ساندي وان حين أنزل انتقامي عليكم".
وكانت "ساندي وان" إشارة إلى الطيار الأمريكي العقيد الذي أنقذ هذا الشهر من جبال إيران بعد إسقاط طائرته.
ومع وضوح التشابه، لم يشر هيجسيث في الجلسة لا إلى تارانتينو ولا إلى جاكسون ولا إلى الفيلم، بل أحال السامعين فقط إلى آية حزقيال كمصدر وحيد.
متحدث البنتاجون يعترف.. ولا يعترف
بعد انتشار الخبر وتحوله إلى موضوع رائج على منصات التواصل، نشر شون بارنيل، المتحدث الرسمي باسم البنتاجون، تغريدة على منصة "إكس" اعترف فيها بأن الصلاة "مستوحاة بوضوح من حوار في فيلم بالب فيكشن"، رغم أن هيجسيث لم يشر إلى ذلك بكلمة واحدة خلال الجلسة، لكن بارنيل في الوقت ذاته هاجم من انتقد وزيره، مصنفًا إياهم في خانة مروجي الأخبار الكاذبة: “كل من يقول إن الوزير أساء نقل الآية 17 من حزقيال 25 يروج لأكاذيب ويجهل الواقع، والحصيلة: ”اعتراف بأن المصدر الحقيقي فيلم هوليوودي، مع ادعاء في الوقت ذاته بأن لا خطأ في شيء".
سياق أوسع.. هيجسيث المحاصر
لم يكن هذا الحادث هو الخبر الوحيد المثير للجدل في أسبوع هيجسيث؛ إذ تشير "الجارديان" إلى أن الأسبوع شهد تقديم مجموعة من النواب الديمقراطيين طلبات عزل ضد الوزير، في خطوة تعكس حجم الاحتقان السياسي المتراكم ضده منذ توليه المنصب وسط جدل واسع حول مؤهلاته وتصريحاته.
وسعى الوزير في مؤتمره الصحفي الصباحي أمس الخميس إلى استعادة زمام الأمور، فلجأ مجددًا إلى المرجعية الدينية، هذه المرة من العهد الجديد وبشكل صحيح على الأقل.
وفي المؤتمر الصحفي ذاته، شبّه هيجسيث الصحفيين بالفريسيين، وهم جماعة دينية يهودية كانت في خلاف متكرر مع المسيح وتعاليمه في روايات الأناجيل، وقال إنه استمع نهاية الأسبوع الماضي إلى عظة استحضرت هذا المقطع، فجلس في الكنيسة متفكرًا: “صحافتنا تمامًا كهؤلاء الفريسيين. قلوب متحجرة لا تصلح إلا للتشهير”.
وأضاف في إشارة إلى ما وصفه بالتشكيك الإعلامي المستمر في الروايات الرسمية عن مسار الحرب: “أحيانًا يصعب عليّ أن أفهم في أي جانب يقف بعضكم”.
وأشارت "الجارديان" إلى أن هذا موقف مألوف من وزير دأب منذ توليه المنصب على شن حرب موازية ضد الإعلام، واصفًا تساؤلات الصحفيين حول مكاسب الحرب في إيران أو نفي طهران ادعاءات الانتصار بأنها جزء من حملة منظمة لتقويض الروح المعنوية الأمريكية، في حين أن المشكلة هذه المرة لم تكن سؤالًا استقصائيًا من صحفي، بل اقتباسًا من فيلم نُسي في المكان الخطأ من قبل وزير الدفاع الأمريكي.