حرب إيران تختبر الاقتصاد المصري.. مصر تشق طريقها لإعادة ترتيب تحالفاتها
تعيش القاهرة واحدة من أكثر لحظاتها الإقليمية حساسية منذ سنوات، في ظل حرب إقليمية واسعة اندلعت عقب الهجوم الإسرائيلي–الأمريكي على إيران في 28 فبراير 2026، ما دفع مصر إلى محاولة تثبيت موقعها كوسيط سياسي فاعل، بينما تواجه في الوقت ذاته تداعيات اقتصادية متصاعدة تهدد استقرارها المالي وتفرض عليها إعادة تقييم علاقاتها الإقليمية والدولية، وفقًا لتقرير مطول نشره موقع «أورينت 11» الفرنسي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط.
الحكومة المصرية تكثف تحركاتها الدبلوماسية
ومنذ الأيام الأولى لاندلاع الحرب، تبنت القاهرة خطابًا دبلوماسيًا مزدوجًا؛ إذ أدانت الهجمات الإيرانية على بعض الدول العربية، دون أن تشير مباشرة إلى العمليات العسكرية الإسرائيلية والأمريكية، في محاولة للحفاظ علىتوازن دقيق بين أطراف الصراع. وفي موازاة ذلك، كثفت الحكومة المصرية تحركاتها الدبلوماسية عبر اتصالات وزيارات إقليمية شملت قطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن والسعودية، بينما قاد الرئيس عبد الفتاح السيسي جولة مماثلة في الخليج، في إطار مساعٍ لتثبيت الدعم السياسي والمالي من الحلفاء التقليديين.
ضغوط سياسية ورسائل داخلية مشددة
لم تقتصر التحركات المصرية على الخارج، بل امتدت إلى الداخل، حيث تصاعدت حساسية الخطاب الإعلامي الرسمي في ظل انتقادات وُجهت للحكومة بسبب ما اعتبره البعض «حيادًا غير كافٍ» تجاه الحلفاء العرب في الخليج. وفي هذا السياق، شددت السلطات القيود على التصريحات الإعلامية، مع التأكيد على الالتزام بالرواية الرسمية فقط، في ظل مخاوف من توسع النقاش الداخلي حول طبيعة الموقف المصري من الحرب.
وفي خلفية هذا المشهد، تشير تحليلات صحفية إلى أن القاهرة تعتمد في دعمها السياسي على شبكة معقدة من العلاقات مع الدول الخليجية، التي تمثل أحد أهم مصادر التمويل والاستثمار، خاصة في ظل استمرار صفقات استراتيجية كبرى، من بينها مشاريع تطوير الساحل الشمالي وصفقات استثمار عقاري وصناعي ضخمة مع الإمارات.
اقتصاد تحت الضغط: العملة والسياحة والتحويلات
على الصعيد الاقتصادي، بدأت تداعيات الحرب تظهر بوضوح على مؤشرات الاقتصاد الكلي. فقد سجل الجنيه المصري تراجعًا جديدًا أمام العملات الأجنبية، ما أدى إلى زيادة عبء الديون الخارجية وارتفاع كلفة الاستيراد، بالتزامن مع استمرار السياسة النقدية المتشددة التي يعتمدها البنك المركزي للحد من التضخم.
كما تعرض قطاع السياحة، الذي يمثل أحد أعمدة الاقتصاد المصري، إلى تراجع ملحوظ في الحجوزات، خاصة بعد تحذيرات دولية دفعت عددًا من السياح إلى إلغاء رحلاتهم. ويؤكد مسؤولون في القطاع السياحي أن الانتعاش الذي بدأ بعد سنوات من الاضطراب السياسي لم يدم طويلًا، إذ عادت معدلات الإلغاء للارتفاع مجددًا مع تصاعد التوتر الإقليمي.
وفي السياق نفسه، تأثرت تحويلات العاملين المصريين في الخارج، والتي تشكل نحو 8% من الناتج المحلي الإجمالي، نتيجة التباطؤ الاقتصادي في دول الخليج وإعادة بعض العمالة إلى الداخل، ما زاد من الضغوط على سوق العمل المحلي.
أزمة طاقة متفاقمة وارتفاع أسعار داخلي
تعد أزمة الطاقة أحد أخطر تداعيات الحرب على مصر، خاصة بعد تقليص أو وقف بعض إمدادات الغاز الطبيعي القادمة من إسرائيل، والتي كانت تغطي جزءًا مهمًا من احتياجات السوق المحلية. هذا النقص دفع القاهرة إلى زيادة واردات الغاز المسال من أسواق أخرى، مثل أوروبا وروسيا، بأسعار أعلى بنحو 30% تقريبًا، ما انعكس مباشرة على تكاليف الإنتاج والاستهلاك.
وفي أعقاب ذلك، اتجهت الحكومة إلى رفع أسعار الوقود وخدمات النقل العام، مع الإبقاء على دعم الخبز لتخفيف حدة الاحتقان الاجتماعي، كما تم فرض إجراءات تقشفية شملت تقليل استهلاك الكهرباء في الشوارع والمرافق العامة، إلى جانب فرض قيود على مواعيد عمل بعض الأنشطة التجارية في فترات المساء.
قناة السويس ومخاطر الممرات البحرية
تعد قناة السويس أحد أهم مصادر النقد الأجنبي لمصر، حيث تمثل نحو 7% من الناتج المحلي الإجمالي. ومع تصاعد التوترات في البحر الأحمر واحتمالات امتدادها إلى مضيق باب المندب، تزايدت المخاوف من تراجع حركة الملاحة الدولية، وهو ما قد يؤدي إلى خسائر كبيرة في إيرادات الدولة.
وتشير تقديرات ملاحية إلى أن اضطرابات سابقة في المنطقة أدت إلى انخفاض كبير في عبور السفن، وسط تحذيرات من أن أي توسع جديد في نطاق الصراع قد يضاعف الضغط على هذا الشريان الاقتصادي الحيوي.
تحولات في السياسة الإقليمية
في موازاة التحديات الاقتصادية، بدأت القاهرة في إعادة تقييم علاقاتها الإقليمية، مع بروز مؤشرات على توجه نحو تنويع التحالفات، بما يشمل تركيا والسعودية وباكستان، في إطار مقاربة جديدة تهدف إلى تقليل الاعتماد على محور واحد في ظل حالة السيولة الجيوسياسية في المنطقة.
ورغم ذلك، لا تزال مصر تسعى للحفاظ على دورها كوسيط إقليمي، مستفيدة من موقعها السياسي والدبلوماسي، ومن قدرتها على التواصل مع مختلف أطراف النزاع، بما في ذلك القوى الإقليمية والدولية الكبرى.
إعادة تموضع في مشهد إقليمي مضطرب
تظهر المعطيات أن الحرب الجارية لم تقتصر تداعياتها على الجانب الأمني، بل امتدت إلى إعادة تشكيل موازين القوى الاقتصادية والسياسية في المنطقة، وبينما تحاول القاهرة الحفاظ على استقرارها الداخلي، فإنها تجد نفسها أمام معادلة معقدة تجمع بين ضغوط اقتصادية متزايدة، وحاجة مستمرة إلى التمويل الخارجي، ورغبة في لعب دور دبلوماسي فاعل في واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا في الشرق الأوسط.