< من الجنوب المشتعل إلى واشنطن.. تفاصيل أول مفاوضات بين إسرائيل ولبنان منذ 1993
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

من الجنوب المشتعل إلى واشنطن.. تفاصيل أول مفاوضات بين إسرائيل ولبنان منذ 1993

الرئيس نيوز

في خطوة وُصفت بأنها إنجاز دبلوماسي نادر، عقدت إسرائيل ولبنان أول محادثات مباشرة بينهما منذ عام 1993، برعاية الولايات المتحدة، في محاولة لاحتواء واحدة من أخطر جبهات التوتر في الشرق الأوسط. اللقاء، الذي جرى في واشنطن.

جاء في ظل تصعيد عسكري مستمر بين إسرائيل وحزب الله المدعوم من إيران، حيث تجاوز عدد القتلى 2000 شخص وملايين المتضررين، وفقا لهيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي.

كسر الجليد: دبلوماسية على حافة الانفجار

وأضافت بي بي سي نيوز أن الاجتماع لم يكن مجرد لقاء بروتوكولي، بل مثل تحولا في قواعد الاشتباك السياسي بين بلدين لا تربطهما علاقات دبلوماسية. منذ آخر لقاء مباشر قبل أكثر من 30 عاما، بقيت قنوات الاتصال إما غير مباشرة أو عبر وسطاء، ما يجعل هذه الخطوة استثنائية في توقيتها وسياقها.

وقاد الوساطة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، الذي وصف اللقاء بأنه “فرصة تاريخية” لتقليص نفوذ حزب الله في المنطقة. لكن هذا الوصف، رغم ثقله السياسي، يعكس أيضا حجم التعقيد؛ فالمفاوضات لم تبدأ بعد بشكل فعلي، بل تم الاتفاق فقط على إطلاق مسار تفاوضي في وقت ومكان لاحقين. 

أهداف متناقضة: الأمن الإسرائيلي مقابل الإنقاذ اللبناني

وخلف الطاولة، تتباين أولويات الطرفين بشكل حاد. إسرائيل دخلت المفاوضات بهدف واضح: نزع سلاح جميع الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، في إشارة مباشرة إلى حزب الله، الذي تعتبره تهديدا استراتيجيا وجوديا.

في المقابل، ركز لبنان على مطلبين ملحين: وقف إطلاق النار بشكل فوري، ومعالجة الكارثة الإنسانية المتفاقمة داخل أراضيه. هذا التباين يعكس فجوة عميقة بين من يسعى إلى إعادة تشكيل التوازن العسكري، ومن يحاول احتواء الانهيار الداخلي.

وعبر الرئيس اللبناني جوزيف عون عن أمله في أن تكون هذه المحادثات بداية لنهاية معاناة اللبنانيين، مشددا على أن الحل يكمن في احتكار الدولة للسلاح عبر الجيش اللبناني، وهو طرح يصطدم بواقع سياسي وأمني شديد التعقيد.

على الأرض: مفاوضات تحت النار

بينما كانت الوفود تتحدث في واشنطن، كانت الجبهة الجنوبية تشتعل. أعلن حزب الله تنفيذ عشرات الهجمات ضد أهداف إسرائيلية، فيما دوّت صفارات الإنذار في شمال إسرائيل طوال اليوم.

هذا التزامن بين التفاوض والتصعيد يكشف حقيقة المشهد: الدبلوماسية تسير في مسار، والميدان في مسار آخر تماما. بالنسبة لإسرائيل، العمليات العسكرية مستمرة بهدف تفكيك قدرات حزب الله، وهي امتداد لمواجهات سابقة خلال 2023 و2024، تداخلت مع حرب غزة وتصاعد التوتر مع إيران.

حزب الله: الغائب الحاضر

رغم أن المحادثات تدور بين دولتين، فإن العامل الحاسم فيها ليس حاضرا على الطاولة. حزب الله، القوة العسكرية والسياسية الأبرز في جنوب لبنان، أعلن بوضوح أنه غير ملزم بأي اتفاق يُبرم في واشنطن.

أما تصريحات قيادات حزب الله، فتعكس موقفا صلبا إذ أن أي تسوية لا تراعي حساباته لن يكون لها أثر فعلي على الأرض. هذه المعادلة تجعل من أي اتفاق محتمل خطوة ناقصة، ما لم يتم إدماج الحزب بشكل مباشر أو غير مباشر في ترتيبات الحل.

التعقيدات الإقليمية: ظل إيران وحسابات أوسع 

وذكرت بس بي سي نيوز أنه من غير الممكن فصل الأزمة عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث تلعب إيران دورا محوريا باعتبارها الداعم الرئيسي لحزب الله. في محادثات موازية بين واشنطن وطهران، برزت محاولة إيرانية لربط الملف اللبناني بأي اتفاق لوقف إطلاق النار، وهو ما رفضته الولايات المتحدة وإسرائيل.

ويعكس هذا التشابك أن ما يجري ليس نزاعا حدوديا فحسب، بل جزء من صراع نفوذ إقليمي أوسع، تتداخل فيه ملفات متعددة من غزة إلى الخليج.

بين الأمل والواقع: هل تنجح المحادثات؟

تمثل المحادثات بلا شك لحظة مفصلية، لكنها ليست حلا بحد ذاتها. فالفجوة بين الأهداف، وغياب اللاعب الأهم عن الطاولة، واستمرار القتال على الأرض، كلها عوامل تجعل الطريق إلى تسوية حقيقية طويلا ومعقدا.

ومع ذلك، يبقى مجرد انعقاد هذه المحادثات مؤشرا على إدراك الأطراف أن استمرار الوضع الحالي يحمل مخاطر أكبر من أي تنازلات محتملة.