بعد فشل المفاوضات.. موسكو تتحرك لملء الفراغ بين واشنطن وطهران
في أعقاب الانهيار المفاجئ لمحادثات السلام بين واشنطن وطهران، التي استضافتها العاصمة الباكستانية إسلام أباد، تحركت موسكو بسرعة لملء الفراغ الدبلوماسي، معلنة استعدادها لاستقبال اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب ضمن أي اتفاق مستقبلي.
هذا الطرح، الذي كشف عنه المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، لم يكن مجرد مبادرة تقنية، بل حمل رسالة سياسية واضحة مفادها أن روسيا تسعى إلى تثبيت نفسها كضامن رئيسي في معادلة الأمن النووي الإقليمي، في وقت يتراجع فيه النفوذ الغربي التقليدي، وفقًا لصحيفة موسكو تايمز.
ويعود المقترح الروسي في جذوره إلى اتصالات سابقة بين الرئيس فلاديمير بوتين ونظيره الأمريكي دونالد ترامب، حيث عرضت موسكو نقل اليورانيوم الإيراني إلى أراضيها كجزء من صفقة شاملة، إلا أن واشنطن رفضت الفكرة.
وتكمن حساسية الملف في امتلاك إيران نحو 450 كيلوجرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهي نسبة تقترب تقنيًا من العتبة العسكرية، ما يجعلها نقطة ارتكاز رئيسية في الصراع الجيوسياسي الدائر، وفقًا لموقع أكسيوس.
تحالف روسي-صيني في مواجهة الغرب
منذ اندلاع التصعيد العسكري، تبنت كل من موسكو وبكين خطابًا حادًا تجاه العمليات الأمريكية-الإسرائيلية، فقد اعتبر وزير الخارجية الصيني وانج يي أن الضربات جاءت في توقيت كانت فيه المفاوضات تحقق تقدمًا ملموسًا، مؤكدًا رفض بلاده القاطع لاستخدام القوة ضد إيران.
ويعكس هذا الموقف رؤية صينية أوسع تقوم على رفض تغيير الأنظمة بالقوة والحفاظ على الاستقرار عبر التوازنات الدولية.
أما وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، فقد ذهب إلى أبعد من ذلك، محذرًا من أن الحرب قد تؤدي إلى نتيجة عكسية تمامًا، إذ قد تدفع دولًا أخرى في المنطقة إلى السعي لامتلاك أسلحة نووية، ما يهدد بانهيار منظومة عدم الانتشار برمتها، ولا يعكس هذا التحذير قلقًا أمنيًا فحسب، بل يكشف أيضًا عن إدراك روسي بأن التصعيد قد يفتح الباب أمام سباق تسلح إقليمي واسع النطاق.
ساحة صراع الإرادات الدولية
في أروقة مجلس الأمن الدولي، تجسد هذا الصراع بوضوح، حيث حاولت روسيا والصين تعطيل مناقشات لجنة العقوبات المعروفة بـ1737، في خطوة هدفت إلى تقويض الضغوط الغربية على طهران، ورغم فشل هذا المسعى بعد تصويت واسع ضده، فإن الرسالة السياسية كانت واضحة: موسكو وبكين لن تسمحا بتمرير أي مسار أحادي يستهدف إيران دون مواجهته.
ورد السفير الروسي فاسيلي نيبينزيا باتهام الغرب بتضخيم التهديد النووي الإيراني دون أدلة حاسمة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في محاولة لنزع الشرعية عن الخطاب الأمريكي-الأوروبي.
اليورانيوم ورقة نفوذ
في خطوة مفصلية، أعلنت روسيا والصين وإيران في أكتوبر 2025 أن الاتفاق النووي المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة لم يعد قائمًا، وأن العقوبات الأممية المعاد فرضها تفتقر إلى الشرعية القانونية، ويمثل هذا الإعلان تحديًا مباشرًا للنظام الدولي الذي تقوده القوى الغربية، ويؤسس لرواية موازية تعيد تعريف مفهوم الشرعية الدولية.
وفي هذا السياق، يُنظر إلى العرض الروسي باستضافة اليورانيوم الإيراني كحل وسط ذكي؛ إذ يحد من مخاطر الانتشار الفوري دون إجبار إيران على تفكيك برنامجها النووي بالكامل، كما يمنح موسكو دور الوسيط الضامن، ما يعزز نفوذها الاستراتيجي في الشرق الأوسط على المدى الطويل.
شبكة الدعم الصامت
لا يقتصر الدعم الروسي-الصيني لإيران على الخطاب السياسي، بل يمتد إلى تعاون عملي واسع. وتشير تقارير المجلس الأطلسي إلى وجود ما يشبه “محور التهرب”، حيث تتعاون الدول الثلاث في الالتفاف على العقوبات الغربية، سواء عبر شراء النفط الإيراني أو نقل التكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج.
ويعكس هذا التعاون تحالفًا اقتصاديًا-استراتيجيًا متماسكًا؛ إذ توفر بكين شريانًا اقتصاديًا لطهران، بينما تقدم موسكو دعمًا تقنيًا وعسكريًا يعزز من قدراتها، وحتى دونالد ترامب أقر ضمنيًا بإمكانية وجود دعم روسي لإيران، ما يعكس إدراكًا أمريكيًا متزايدًا لتعقيد هذا التحالف، وفقًا لتقديرات خبراء وباحثي المجلس الأطلسي.
اختبار النظام العالمي
يرى محللو مركز نشرة علماء الذرة (Bulletin of the Atomic Scientists) أن الأزمة الحالية تتجاوز كونها نزاعًا حول برنامج نووي، لتصبح اختبارًا حقيقيًا لمستقبل معاهدة عدم الانتشار النووي، فالتدخل العسكري قد يفتح الباب أمام قوى أخرى لتبني النهج ذاته، ما يهدد بانهيار قواعد النظام الدولي التي استقرت لعقود.
وفي هذا الإطار، تراهن موسكو وبكين على أن صمودهما الدبلوماسي سيُثبت أن الشرعية الدولية لم تعد حكرًا على الغرب، وأن أي نظام عالمي جديد لا يمكن أن يتشكل دون موافقتهما، إنها معركة تتجاوز حدود إيران، لتصل إلى قلب التوازنات الدولية ومستقبل النظام العالمي بأسره.
صراع على قواعد اللعبة لا على اليورانيوم فقط
لم تعد التطورات الأخيرة مجرد خلاف حول كميات من اليورانيوم أو نسب التخصيب، بل تحولت إلى صراع عميق على من يحدد قواعد النظام الدولي، فبينما يسعى الغرب إلى فرض رؤيته عبر العقوبات والضغط العسكري، تعمل موسكو وبكين على بناء نموذج بديل قائم على التوازن وتعدد الأقطاب.
وفي ظل هذا الاشتباك، يتحول ملف اليورانيوم الإيراني إلى ورقة ضغط استراتيجية، ومضيق هرمز إلى ساحة اختبار للنفوذ والتأثير، ومؤشر على من يملك اليد العليا في معادلة القوة العالمية.