< دمية نتنياهو تشعل أزمة دبلوماسية متصاعدة بين إسبانيا وإسرائيل.. ما القصة؟
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

دمية نتنياهو تشعل أزمة دبلوماسية متصاعدة بين إسبانيا وإسرائيل.. ما القصة؟

الرئيس نيوز

في مشهد استثنائي جمع بين الموروث الشعبي والتوتر السياسي، تحولت بلدة إيل بورجو الإسبانية إلى بؤرة جدل دولي بعد إحراق دمية تجسد بنيامين نتنياهو ضمن احتفالات تقليدية بعيد الفصح، حيث جرت العادة على إحراق تمثال يوداس. ورغم تأكيد عمدة البلدة أن هذا الطقس ليس جديدا وأنه سبق أن شمل شخصيات عالمية مثل فلاديمير بوتين ودونالد ترامب، فإن توقيت الواقعة هذا العام جاء وسط احتقان سياسي حاد، ما منحها أبعادا تتجاوز الطابع الاحتفالي، وفقا لصحيفة جيروزاليم بوست.

وجاء الرد الإسرائيلي سريعا وحادا، إذ استدعت تل أبيب القائم بالأعمال الإسباني للتعبير عن غضبها، ووصفت الحادثة بأنها تعبير عن كراهية معادية للسامية. كما وجهت انتقادات مباشرة إلى حكومة بيدرو سانشيز، متهمة إياها بالصمت بل وبالمساهمة في خلق مناخ تحريضي أدى إلى مثل هذه التصرفات، وفق بيان رسمي نُشر عبر المنصات الرقمية وفقا لصحيفة تايمز أوف إسرائيل.

غير أن هذه الواقعة لم تكن سوى حلقة في سلسلة متصاعدة من التوترات. فقد صعّد بنيامين نتنياهو موقفه بطرد ممثلين إسبان من مركز التنسيق المدني العسكري في قريات جات، وهو مركز أُنشئ بإشراف الولايات المتحدة لمتابعة تنفيذ وقف إطلاق النار في غزة. واعتبر نتنياهو الخطوة ردا مباشرا على ما وصفه بـ"حرب دبلوماسية" تقودها مدريد ضد بلاده، مؤكدا أن إسرائيل لن تتهاون مع أي ضغوط خارجية.

وتعود جذور الأزمة إلى ما قبل ذلك، حيث شهدت العلاقات بين إسبانيا وإسرائيل تدهورا ملحوظا منذ اعتراف مدريد بالدولة الفلسطينية عام 2024، وهو ما أدى إلى تبادل سحب السفراء بين البلدين. ثم زادت التوترات مع تطورات إقليمية لاحقة، خاصة مع تصاعد المواجهات المرتبطة بإيران، حيث اتخذت إسبانيا مواقف معارضة للعمليات العسكرية ورفضت تقديم تسهيلات لوجستية للقوات المشاركة فيها.

وجاءت الضربات الإسرائيلية الأخيرة في لبنان لتدفع الأزمة إلى مستوى أكثر حدة. فقد أثارت العملية العسكرية، التي استهدفت مواقع لحزب الله وأسفرت عن خسائر بشرية كبيرة، موجة انتقادات واسعة في مدريد. ووصف بيدرو سانشيز هذه العمليات بأنها غير مقبولة وتنتهك القانون الدولي، داعيا الاتحاد الأوروبي إلى مراجعة علاقاته مع إسرائيل، في موقف يعكس تصعيدا سياسيا غير مسبوق.

وعلى نطاق أوسع، تكشف هذه الأزمة عن انقسام متزايد داخل أوروبا بشأن التعامل مع الحرب في الشرق الأوسط. فإقصاء إسبانيا من آليات التنسيق الدولي، التي تضم عددا من الدول الفاعلة، يعكس تحولا في طبيعة العلاقات الدبلوماسية، حيث لم تعد الخلافات تدار خلف الأبواب المغلقة بل باتت تترجم إلى إجراءات مباشرة وعلنية. كما تشير مؤسستا كوينسي وتشاتام هاوس إلى تغير ملحوظ في اتجاهات الرأي العام الغربي تجاه إسرائيل، ما يضيف ضغوطا جديدة على صانع القرار الإسرائيلي في هذه المرحلة الحساسة.

 

وفي هذا السياق، لا يمكن فصل التوتر الإسباني الإسرائيلي عن موجة أوسع من إعادة تموضع الدول الأوروبية الوسطى إزاء الصراعات الراهنة. فإسبانيا التي لم تقم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل إلا عام 1986 عقب وفاة الديكتاتور فرانسيسكو فرانكو، وحافظت في عهده على علاقات أوثق مع الدول العربية، تجد نفسها اليوم في موقع المواجهة المفتوحة مع تل أبيب في ظل قيادة يسارية تتبنى خطابًا حقوقيًا صريحًا. ولعل ما يضفي على الأزمة طابعًا استثنائيًا أن إسبانيا ليست طرفًا هامشيًا في المعادلة الأوروبية، بل عضو في حلف شمال الأطلسي ودولة محورية في جنوب أوروبا، مما يجعل استمرار تصادمها مع إسرائيل مؤشرًا على تصدعات حقيقية داخل المنظومة الغربية نفسها، لا مجرد خلاف ثنائي عابر.