< فخ "مجلس السلام".. كيف تحولت وعود الـ 17 مليار دولار لإعادة إعمار غزة إلى "أرقام ورقية"؟
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

فخ "مجلس السلام".. كيف تحولت وعود الـ 17 مليار دولار لإعادة إعمار غزة إلى "أرقام ورقية"؟

الرئيس نيوز

في يناير 2026، أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ما أسماه "مجلس السلام"، هيئة دولية انتقالية مخولة بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803، لتتولى الإشراف على إعادة إعمار قطاع غزة وحوكمته في أعقاب الحرب المدمرة التي حصدت أكثر من 71 ألف قتيل فلسطيني. 

وأعلن ترامب عن المجلس بوصفه "أعظم وأعرق مجلس في التاريخ"، غير أن الواقع سرعان ما كشف عن هوة سحيقة بين الطموح والتنفيذ.

تعهد المجلس بتخصيص 17 مليار دولار لقطاع غزة، بيد أنه لم يتلقَ حتى الآن سوى جزء ضئيل من هذا المبلغ، إذ لم تساهم في التمويل فعليًا سوى ثلاث دول من أصل عشر تعهدت بالمشاركة، هي: الإمارات والمغرب والولايات المتحدة نفسها. وفي مواجهة هذه الحقائق، نفى المجلس وجود أي أزمة مالية، مؤكدًا أن جميع طلبات التمويل جرى الوفاء بها على الفور، وفقا لمجلة ريسبونسبل ستيتكرافت الأمريكية.

يبدو سلامًا ويتصرف كاحتلال

غير أن أزمة التمويل ليست سوى القشرة الخارجية لجملة من الإشكاليات العميقة. فقد سبق لمجلة "ريسبونسبل ستيتكرافت" الأمريكية، قبل أشهر من إطلاق المجلس رسميًا، أن رصدت الخلل الجوهري في خطة ترامب للسلام بقلم كارول دانيال-كسباري الباحثة بمركز كارتر وزميلة معهد كوينسي، التي أمضت ثلاثة عقود في العمل الميداني بين إسرائيل والأراضي الفلسطينية. 

وخلصت كسباري إلى أن الخطة "تبدو كالسلام ولكنها تتصرف كالاحتلال"، إذ تفتقر إلى آليات التنفيذ القابلة للإنفاذ، وخرائط الانسحاب، والجداول الزمنية الملزمة، والملكية المحلية الحقيقية. وأشارت إلى أن لغة الانسحاب الإسرائيلي تظل ضبابية لدرجة أن أي "تراجع" مشفوع بالسيطرة على المعابر والمجال الجوي والأمن المحيطي يفضي إلى استمرار الاحتلال تحت عنوان مغاير.

والأخطر من ذلك أن الخطة تطالب بنزع السلاح كشرط مسبق قبل توفير أي ضمانات سياسية أو أمنية موثوقة، وهو ما يكرر أخطاء أوسلو نفسها باتباع مسار بلا موازنة للقوة، وترتيبات مؤقتة تتصلب لتصبح وضعا دائما، وبرامج يقودها الخارج مع تهميش الأصوات المحلية، مما يصنع بيديه المظالم التي تغذي العنف. وختمت المجلة تحليلها بأن أهالي غزة لا يحتاجون إلى خطابات مفخمة، بل إلى ليلة دون قصف، وعيادة بها كهرباء، وجرس مدرسة يرن في موعده.

خصخصة الأزمة الإنسانية: نموذج الحرب على الفقراء

لكن ما يثير قلقًا أعمق بكثير من أزمة التمويل وإشكاليات الهيكل السياسي، هو التوجه المتصاعد نحو تسليم العمليات الإنسانية في غزة إلى شركات أمنية خاصة. فبينما يروج للمجلس بوصفه أداة للسلام والإعمار، تكشف التقارير أن شركة "يو جي سوليوشنز"، التي سبق أن حرست مواقع توزيع المساعدات في القطاع المحاصر، تسعى الآن إلى عقود عمل جديدة في ظل خطة ترامب، وفقا لصحيفة فايننشال تايمز. وعبر أحد المقاولين القدامى عن هذا المناخ بقوله: "الجميع يريد قطعة من الكعكة. الناس يتعاملون مع الأمر كما لو أنه العراق أو أفغانستان مجددًا"، وفقًا لموقع ريسبونسبل ستيتكرافت.

ولا يختلف هذا النهج جوهريًا عن سلفه، "مؤسسة المساعدات الإنسانية لغزة" (GHF)، التي ثبت أنها أسست لا على يد منظمات الإغاثة المتخصصة، بل على يد مخططين عسكريين وأصحاب مصالح مالية. وقد وجّهت تلك المؤسسة المساعدات حصرًا نحو أربعة مواقع جنوب مدينة غزة، مما أوجد جغرافيا مصطنعة للجوع، وأجبر المدنيين على قطع مسافات خطرة للحصول على الحد الأدنى من الغذاء، معرضين أنفسهم لإطلاق النار خلال سيرهم. وعلى ما يبدو، يسير مجلس السلام في المسار ذاته.

شهادة من أعماق الجحيم

الصورة الميدانية التي ترسمها المجلة تبلغ من الهول ما يصعب استيعابه. إذ وصفت طبيبة طوارئ أمريكية أمضت أشهرًا تعمل في مستشفيات غزة كيف كانت تفحص مرضى يعانون من هزال حاد وعيون غائرة، مع آفات جلدية وفقدان للشعر وأسنان تالفة تبدو على الأطفال حتى خارج جدران المستشفيات. وبلغ الأمر حدًا اضطرت فيه الكوادر الطبية إلى إجراء بتر أطراف دون تخدير، واتخاذ قرارات إسعاف تقضي بتجاوز أطفال مصابين بجروح بالغة لصالح من تبدو فرص نجاتهم أكبر، لا لشيء إلا لشح الإمكانيات، وفقًا للموقع ذاته.

وكشفت الطبيبة أن الأمهات كن ينقلن إلى المستشفى وهن عاجزات عن إرضاع أطفالهن بسبب سوء تغذيتهن، فيما تختفي أغذية الأطفال من الأسواق تمامًا، ما يفضي إلى حالات جفاف حادة وفشل في النمو لدى الرضع. وفي واحدة من أشد الحالات إيلامًا، لقي طفل سليم البنية حتفه إثر إصابته بالتهاب كبد A نتيجة مياه ملوثة، بعد أن رفض طلب إخلائه طبيًا، فيما وثقت الطبيبة بنفسها مشهد أطفال يجمعون مياها غير معالجة من مناطق تعلوها النفايات المكشوفة.

الإطار القانوني والواقع المقلوب

يجرم القانون الدولي صراحةً فرض أوضاع معيشية تهدد بقاء المدنيين. فاتفاقية منع الإبادة الجماعية تدرج في تعريفها "فرض ظروف حياة محسوبة لإحداث الدمار الجسدي"، فيما تلزم اتفاقية جنيف الرابعة قوى الاحتلال بضمان الحصول على الغذاء والرعاية الطبية. 

وعلى الرغم من صدور أوامر قانونية ملزمة من محكمة العدل الدولية منذ يناير 2024 تقضي باتخاذ تدابير فورية لمنع أعمال الإبادة وضمان الوصول الكامل للمساعدات الإنسانية، فإن الواقع يسير في الاتجاه المعاكس تمامًا. ففي يناير 2026، حظرت إسرائيل 37 منظمة غير حكومية كانت تعمل في غزة لعقود، مشترطة على من يبقى الامتثال لقيود سياسية وتسليم بيانات حساسة عن موظفيها، مما يعرض مبدأ الحياد الإنساني لضربة قاضية.

غياب الشرعية وتمركز السلطة

وأبدى عدد من المحللين والمسؤولين قلقهم إزاء نموذج الحوكمة المعتمد، ولا سيما تمركز صلاحيات اتخاذ القرار في يد رئيس المجلس وحده. وبموجب الميثاق، يتمتع ترامب بصلاحيات واسعة تشمل تعيين أعضاء المجلس التنفيذي، وإنشاء الهيئات الفرعية أو حلها، وتحديد خليفته في منصب يشغله إلى أجل غير مسمى. وقد أكدت "ريسبونسبل ستيتكرافت" أن المجلس أسس فيما لم تكتمل المرحلة الأولى من خطة السلام بعد، إذ استمرت الهجمات الإسرائيلية على القطاع رغم الهدنة المعلنة، وظل تدفق المساعدات أقل بكثير مما نصت عليه الاتفاقية، حتى إنه حتى منتصف يناير 2026 لم يدخل إلى غزة سوى أقل من نصف عدد شاحنات الإغاثة المتفق عليه.

الفخ الأكبر: نموذج لا يقبل الإصلاح

وفي سياق ما وصفته "ريسبونسبل ستيتكرافت" بـ"الفارس الزائف"، ترى المجلة أن خطة ترامب تمر بمرحلة ثانية تعلن "الانتقال من وقف إطلاق النار إلى نزع السلاح والحوكمة التكنوقراطية وإعادة الإعمار"، في حين لم تطبق المرحلة الأولى إلا بشكل جزئي. فالمطالبة بنزع السلاح قبل وجود ضمانات سياسية موثوقة تعيد إنتاج معادلة فاشلة، والتسريع نحو المرحلة الثانية في غياب آليات تحقق فعلية يحوّل الخطة إلى عرض مسرحي لا يقدر عليه أهالي غزة. والأشد خطورة أن نظام الرقابة المقترح، بما يتضمنه من لجان تحقق وسلطة استجابة سريعة، يظل مجرد حبر على ورق ما لم يقترن بتفعيل عند انتهاك الشروط، وإلا تحولت المراقبة إلى مجرد ديكور دبلوماسي.

شرعية دولية مثقوبة

على الصعيد الدولي، وجه خبراء الأمم المتحدة انتقادات حادة للمجلس، واصفين إياه بأنه "مناورة غير قانونية وغير مشروعة تقودها دول كبرى مدفوعة بنزعة ومطامع استعمارية". كما رفضت دول أوروبية عديدة الانضمام إليه، خشية أن يمثل تقويضًا لدور الأمم المتحدة ومنظومة القانون الدولي.

وتواجه اللجنة الوطنية لإدارة غزة تواجه صعوبات هائلة في العمل بسبب القيود الإسرائيلية، بما فيها منع الموظفين من الدخول إلى القطاع. وفي ظل تصاعد حرب إيران وتراجع أدوات الدبلوماسية، يبدو المشهد وكأن منظومة التعددية الدولية تتآكل، في حين تظل غزة أسيرة مزاد من الوعود المتعثرة والمؤسسات المتنازع على شرعيتها.

وخلصت "ريسبونسبل ستيتكرافت" إلى أن ما يجري في غزة لا يمثل أزمة إنسانية بالمعنى المتعارف عليه، بل اختبارًا حقيقيًا لمدى التزام المجتمع الدولي بالإطار القانوني والأخلاقي الذي يدعي الدفاع عنه. فإذا كانت تجربة "مؤسسة المساعدات الإنسانية لغزة" قد أثبتت أن تسليح الإغاثة وتحويلها إلى مصدر ربح يحولها من أداة لتخفيف المعاناة إلى سلاح إضافي في الحرب، فإن إدارة ترامب تبدو اليوم ماضية في استنساخ النموذج ذاته بدلًا من الاستفادة من دروس الماضي وإخفاقاته.