واشنطن تعاقب حلفاءها بسبب إيران.. خطة أمريكية لنقل القوات وإغلاق قواعد في أوروبا
لم تُخمد الهدنة الهشة مع إيران جذوة غضب ترامب من الحلفاء الأوروبيين، فبينما كانت المفاوضات مع طهران لا تزال ساخنة، كانت الإدارة الأمريكية تُعدّ في الخفاء ملف عقوبات من نوع مختلف، موجّه هذه المرة نحو حلفاء واشنطن التقليديين في حلف شمال الأطلسي.
وكشفت صحيفة وول ستريت جورنال، استنادًا إلى مسؤولين في الإدارة، عن تفاصيل خطة عقابية قيد الدراسة قد تعيد رسم خريطة الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا من أساسها.
تحريك القطع على رقعة الشطرنج الأطلسية
وفقًا لـ"وول ستريت جورنال"، تدرس إدارة ترامب نقل القوات الأمريكية خارج دول في الناتو اعتُبرت غير متعاونة خلال حرب إيران، وإعادة نشرها في الدول الأعضاء التي دعمت الحملة العسكرية، وقد جرى تداول الخطة بين كبار المسؤولين في البيت الأبيض ومجلس الأمن القومي خلال الأسابيع الأخيرة، وحظيت بدعم واسع، رغم أنها لا تزال في مراحلها الأولية.
والأكثر إثارة أن الخطة تشمل إغلاق قاعدة عسكرية أمريكية في دولة أوروبية واحدة على الأقل، مع مؤشرات تشير إلى إسبانيا وألمانيا تحديدًا، في المقابل، يُتوقع أن تستفيد دول مثل بولندا ورومانيا وليتوانيا واليونان من إعادة التموضع، بوصفها حلفاء حظوا بتقدير واشنطن.
قائمة الاتهامات.. من أغلق أجواءه ومن فتحها؟
كشفت الصحيفة عن وقائع محددة، لا مجرد مواقف عامة، فقد أغلقت إسبانيا أجواءها أمام الطائرات الأمريكية المشاركة في العمليات ضد إيران، فيما علّقت إيطاليا مؤقتًا استخدام قاعدة جوية في صقلية من قبل القوات الأمريكية، أما فرنسا، فقد وافقت في نهاية المطاف، لكن بعد اشتراط ضمانات بأن الطائرات التي تهبط في قواعدها الجنوبية لا تحمل إمدادات مرتبطة بالضربات ضد إيران.
أما ألمانيا، فقد دخلت القائمة بطريقة مختلفة؛ إذ لم تمنع العمليات عسكريًا، لكن كبار مسؤوليها انتقدوا علنًا قرار ترامب خوض الحرب، وهو ما أثار استياء البيت الأبيض، خاصة أن الأراضي الألمانية تحتضن أكبر تمركز للقوات الأمريكية في أوروبا، في المقابل، قُدمت رومانيا نموذجًا للحليف المتجاوب، بعدما وافقت سريعًا على منح واشنطن حق استخدام قواعدها الجوية فور اندلاع المواجهة.
الناتو يخفق في اختبار ترامب
خرج التوتر، الذي تصاعد بهدوء طوال ستة أسابيع من الحرب، إلى العلن خلال زيارة أمين عام الناتو مارك روتة إلى البيت الأبيض، إذ وصفت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، حرب إيران بأنها "اختبار للحلف"، قبل أن تضيف: “من المؤسف أن الناتو أدار ظهره للشعب الأمريكي طوال الأسابيع الستة الماضية، في حين كان الأمريكيون يمولون دفاع هؤلاء الحلفاء”.
أما روتة، ففي لحظة نادرة من الصراحة الدبلوماسية، فأقر بأن بعض الحلفاء "اختُبروا وأخفقوا"، وإن أشار إلى أن الدول الأوروبية قدمت دعمًا لوجستيًا وتعهدات أمنية بطرق مختلفة.
وبعد اللقاء، كتب ترامب على منصة تروث سوشيال بأحرف كبيرة: "الناتو لم يكن موجودًا حين احتجنا إليه، ولن يكون موجودًا إن احتجنا إليه مجددًا، تذكروا غرينلاند، تلك القطعة الكبيرة من الجليد التي تُساء إدارتها!".
ما يستطيع ترامب وما لا يستطيع؟
توجد قيود قانونية تحكم خيارات ترامب. فبينما تبدو الخطة المطروحة أقل حدة من التهديدات السابقة بالانسحاب الكامل من الناتو—وهو أمر لا يمكن للرئيس تنفيذه دون موافقة الكونغرس—فإن إعادة تموضع القوات أو إغلاق القواعد لا تتطلب إذنًا تشريعيًا، ما يجعلها أداة ضغط فورية وفعالة بيد البيت الأبيض.
وقالت المتحدثة الرئاسية ليفيت، حين سُئلت عن احتمال الانسحاب الكامل: "هذا أمر ناقشه الرئيس، وأعتقد أنه سيطرحه خلال ساعات في لقائه مع روتة"، ما يشير إلى أن هذا الخيار لا يزال ورقة ضغط حاضرة على الطاولة، وفقًا لمجلة نيوزويك.
أوروبا في مأزق وجودي
ما يمنح هذه الأزمة طابعها الاستثنائي أن الخلاف لا يقتصر على تكتيكات، بل يعكس تباينًا عميقًا في الرؤى، فكثير من فقهاء القانون الدولي يرون أن الحرب التي شنتها واشنطن وإسرائيل على إيران تمثل انتهاكًا صريحًا للقانون الدولي، وهو ما جعل المشاركة الأوروبية فيها مكلفة سياسيًا وقانونيًا لعواصم مثل باريس ومدريد وبرلين.
لكن هذه الحسابات لا تبدو مقنعة لواشنطن، التي ترى أن معيار الولاء يُقاس في لحظات الأزمات، لا في الخطابات الدبلوماسية، وقد عبّر البيت الأبيض عن هذا الموقف بوضوح على لسان المتحدثة آنا كيلي، التي قالت: "الرئيس خُذل من الناتو وحلفاء آخرين رفضوا المساعدة في العمليات ضد إيران، رغم أن القضاء على التهديد الإيراني يصب في مصلحتهم المباشرة."
إعادة تعريف الحليف
لم تعد خريطة العقوبات الأمريكية تجاه حلفائها مقتصرة على الرسوم الجمركية أو الضغوط الاقتصادية؛ بل امتدت لتشمل إعادة رسم الانتشار العسكري في قارة بأكملها، وما تكشفه خطة ترامب ليس مجرد رد فعل غاضب، بل مؤشر على تحول أعمق في تعريف مفهومي الحليف والخصم.
فأوروبا، التي اختارت النأي بنفسها عن الحرب، تجد نفسها اليوم في مواجهة تبعات قد تصل إلى إعادة تقليص المظلة العسكرية الأمريكية فوقها—في لحظة دولية تزداد فيها التهديدات، وتتراجع فيها اليقينيات القديمة.