من يحصد النصر إذا صمد وقف إطلاق النار مع إيران؟.. الصين تكتب روايتها بهدوء
قبل أقل من ساعتين على انتهاء المهلة التي حددها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإيران، والتي هدد فيها بـ"فناء حضارة بأكملها" في حال عدم الاستجابة، وُلد اتفاق وقف إطلاق النار، وخلال دقائق سارع الجميع إلى إعلان النصر؛ فواشنطن تحدثت عن "انتصار تام وكامل"، فيما وصفت طهران ما جرى بأنه "هزيمة تاريخية ساحقة" للولايات المتحدة، لكن مع هدوء ضجيج التصريحات، يتضح أن طرفًا ثالثًا، لم يطلق رصاصة واحدة، بدأ في حصد المكاسب مبكرًا، ووفقًا لصحيفة الجارديان البريطانية، كان هذا الطرف دون شك الصين.
6 أسابيع أعادت تشكيل المشهد
شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حملة جوية واسعة ضد إيران، استهدفت البنية العسكرية ومراكز القيادة، وأدت إلى مقتل قيادات عليا، من بينها المرشد الأعلى وعدد من كبار المسؤولين، وجاء الرد الإيراني سريعًا ومكلفًا، عبر صواريخ وطائرات مسيّرة طالت إسرائيل وقواعد أمريكية ودول الخليج، قبل أن تتجه طهران إلى الورقة الأكثر حساسية: إغلاق مضيق هرمز.
هذا الإغلاق فجّر واحدة من أعنف صدمات الطاقة في التاريخ الحديث، حيث قفز خام برنت إلى نحو 109 دولارات للبرميل، بينما اقتربت أسعار الديزل من مستويات قياسية بلغت 5.82 دولار للجالون، لم تعد الحرب عسكرية فقط، بل تحولت إلى اختبار قاسٍ للاقتصاد العالمي.
تناقضات منذ الدقيقة الأولى
في السابع من أبريل، حدد ترامب ساعة الحسم: الثامنة مساءً بتوقيت الساحل ا لشرقي. كانت الرسالة واضحة: إعادة فتح المضيق أو التصعيد الشامل. لكن قبل انتهاء المهلة بساعتين فقط، أعلنت إيران قبول خطة هدنة لمدة أسبوعين بوساطة باكستان، تتضمن وقف العمليات، وإعادة فتح مضيق هرمز، وبدء مفاوضات في إسلام آباد.
غير أن الاتفاق وُلد محمّلًا بالتناقضات. فقد سارع بنيامين نتنياهو إلى التأكيد أن الهدنة لا تشمل الجبهة اللبنانية، لتبدأ إسرائيل موجة من أعنف ضرباتها على لبنان منذ بداية الحرب.
في المقابل، أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف أن الاتفاق "يشمل كل مكان، بما في ذلك لبنان"، ما كشف عن فجوة مبكرة في تفسير بنود الهدنة، وبحلول صباح اليوم التالي، أعلن ترامب إبقاء حاملات الطائرات والقوات الأمريكية في مواقعها حول إيران، مشددًا على أن أي انسحاب مرهون بـ"التزام حقيقي بالاتفاق الفعلي".
نتنياهو أبرز الخاسرين.. وواشنطن بلا حسم
بحسب تقييم المراسل الدولي البارز بيتر بومونت، فإن نتنياهو يبدو "المرشح الأوفر حظًا للخسارة الكبرى". فالهدف الاستراتيجي لإسرائيل، المتمثل في تحييد إيران عبر جر واشنطن إلى حرب حاسمة، لم يتحقق، بينما بدأ التوافق الأمريكي–الإسرائيلي في التآكل تحت ضغط الرأي العام، مع تداعيات داخلية ثقيلة تلوح في الأفق السياسي الإسرائيلي.
أما واشنطن، فرغم الخطاب المنتصر، فلم تنجح في تحقيق تغيير النظام في طهران، ولم تنتزع الورقة الأهم: السيطرة على مضيق هرمز، وعلى العكس، أظهرت الحرب مفارقة عسكرية لافتة، إذ استخدمت الولايات المتحدة منظومات دفاعية متقدمة وباهظة التكلفة لاعتراض هجمات إيرانية منخفضة الكلفة نسبيًا.
الأكثر حساسية أن الملف النووي، الذي مثّل الذريعة الأساسية للحرب، بقي دون حسم. ورغم تدمير أجزاء من البنية النووية، احتفظت إيران بمخزون من اليورانيوم المخصب، ما يجعل أي مفاوضات مقبلة أكثر تعقيدًا وانفتاحًا على احتمالات واسعة.
انتصار سياسي دون تنازلات
تكشف بنود خطة الهدنة الإيرانية، المكونة من عشرة نقاط، أنها تعكس إلى حد كبير مطالب طهران المعلنة منذ أسابيع. وهو ما دفع بعض المحللين إلى اعتبار أن قبول إيران بالهدنة لم يتطلب تنازلات جوهرية، بل منحها القدرة على تقديم الاتفاق كـ"انتصار سياسي" أمام جمهورها الداخلي والخارجي، ويعزز هذا التقييم فكرة أن ميزان التفاوض لم يكن مائلًا كما حاولت واشنطن تصويره، بل ربما العكس تمامًا.
الصين.. دبلوماسية النفوذ الهادئ
وسط هذا المشهد المعقد، برزت الصين كلاعب يجني المكاسب بهدوء، إذ تُنسب إلى بكين مساهمة مؤثرة في دفع إيران نحو قبول الهدنة، ما عزز صورتها كوسيط دولي قادر على التدخل في لحظات الأزمات.
وحتى ترامب نفسه أقر بأن الصين لعبت دورًا في إقناع طهران، وهو ما أكدته أيضًا تقارير من مسؤولين إيرانيين وباكستانيين حول دور بكين في مفاوضات اللحظة الأخيرة في إسلام آباد، غير أن هذا الدور لا يخلو من الجدل؛ فبعض المحللين يرون أن الصين لم تدفع إيران بقدر ما "دفعت بابًا مفتوحًا"، في إشارة إلى أن شروط الهدنة كانت تميل أصلًا لصالح طهران، ما جعل قبولها شبه محسوم.
بين الصورة والواقع.. نفوذ محدود وطموح متصاعد
رغم هذا الزخم، يبقى النفوذ الصيني في الشرق الأوسط محدودًا نسبيًا مقارنة بالقوى التقليدية، صحيح أن الصين هي أكبر مستورد للنفط الإيراني، ما يمنحها وزنًا اقتصاديًا مهمًا، لكنها لا تملك شبكة تحالفات عميقة أو أدوات ضغط عسكرية مباشرة في المنطقة.
كما يشكك خبراء في قدرة بكين على لعب دور "الضامن" لأي اتفاق، نظرًا لغياب القدرة على فرض الالتزام أو معاقبة المخالفين، وحتى على مستوى العلاقات الثنائية، لا تحتل إيران موقعًا متقدمًا ضمن أولويات السياسة الخارجية الصينية.
مع ذلك، لا يمكن التقليل من أهمية ما حققته الصين. فاستقرار المنطقة، ولو مؤقتًا، يعني احتواء أسعار الطاقة وتقليل مخاطر الركود العالمي، وهو ما يخدم اقتصادًا صينيًا يعتمد بشكل كبير على الصادرات، وبالتالي، فإن نجاح بكين في الظهور كوسيط مسؤول—حتى لو كان دورها الفعلي محل نقاش—يمنحها رصيدًا سياسيًا واقتصاديًا في آن واحد.
نصر بلا منتصر واضح
حين يُعاد تقييم المشهد بعيدًا عن التحيزات، يبدو أن الحرب لم تمنح نصرًا حاسمًا لأي من أطرافها المباشرين. فإسرائيل لم تحقق هدفها الاستراتيجي، والولايات المتحدة لم تحسم الصراع أو تفرض شروطها، بينما نجحت إيران في الخروج باتفاق يمكن تسويقه داخليًا باعتباره انتصارًا.
أما الصين، فقد وجدت في الفوضى فرصة لا لحسم الحرب، بل لتعزيز موقعها في النظام الدولي الناشئ. وفي عالم يتغير بسرعة، قد يكون هذا النوع من "الانتصارات الصامتة" هو الأكثر تأثيرًا على المدى الطويل.