< قاعدة بربرة السرية.. تحالف «أمريكي - إسرائيلي» يٌعيد رسم خريطة النفوذ بالقرن الأفريقي
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

قاعدة بربرة السرية.. تحالف «أمريكي - إسرائيلي» يٌعيد رسم خريطة النفوذ بالقرن الأفريقي

الرئيس نيوز

يتحول مطار هادئ إلى منصة حرب بعيدًا عن الأضواء، وفي أطراف مدينة بربرة الساحلية التابعة لإقليم أرض الصومال المعلن استقلاله من طرف واحد، تتواصل أعمال بناء عسكرية واسعة النطاق بوتيرة متسارعة. المطار الواقع على بعد سبعة كيلومترات غرب المدينة يخضع لعمليات تحويل مكثفة لاستضافة قاعدة عسكرية مخصصة لاستخدام اثنين من حلفاء صوماليلاند: الولايات المتحدة الأمريكية، وإسرائيل، وفقا لصحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية.

ترتيبات إسرائيلية جارية على أرض الصومال

وكشفت صحيفة لوموند الفرنسية في تقرير ميداني مدعم بصور الأقمار الصناعية تقدم البناء، فيما أكدت وكالة بلومبرج الأمريكية من جهتها وجود ترتيبات إسرائيلية جارية على الأرض.

تتولى إحدى الدول الإقليمية قيادة هذا المشروع استنادًا إلى اتفاقية دفاعية أبرمتها مع صوماليلاند عام 2017 تجيز لها استخدام المطار لأغراض عسكرية، وأكد موظف في مطار بربرة اشترط عدم الكشف عن هويته أن طرفا إقليميا ينفذ أعمال التطوير نيابةً عن شريكيه الأمريكي والإسرائيلي في تنسيق غير معلن.  

وتكشف الأدلة الميدانية عن حجم المشروع الحقيقي. رصد محللو المعلومات الاستخباراتية توسعًا عسكريًا متسارعًا في قاعدة بربرة الجوية، وأظهرت صور الأقمار الصناعية إنشاء نحو اثنَي عشر حظيرة تحت الأرض يعتقد أنها مخصصة لاستضافة طائرات مقاتلة وطائرات مسيرة. ولفت المحللون إلى أن صوماليلاند لا تمتلك أسلحة جوية قتالية معروفة، مما يرجح أن هذه المنشآت معدة للاستخدام من قبل أطراف خارجية. 

 توسيع موقع لوجستي لمعدات عسكرية وإنشاء منشآت

ووفقا لصحيفة لوموند، تكشف الصور أيضًا عن أعمال حفر واسعة بدأت أواخر سبتمبر 2025، وتشمل توسيع موقع لوجستي لمعدات عسكرية، وإنشاء منشآت يعتقد أنها مستودعات للذخيرة، فضلا عن توسيع حظائر طائرات محصنة وحظائر للطائرات المسيرة كانت قد أنشئت أصلا بين عامي 2021 و2022. كما تظهر الصور رصيفًا بحريًا جديدًا ضخمًا يمتد نحو خليج عدن، وفقا لموقع مليتري دوت كوم.

موقع استراتيجي لا يضاهى

يمتلك مطار بربرة مدرجًا بطول أربعة كيلومترات قادرًا على استقبال طائرات الشحن الثقيلة والمقاتلات، إضافة إلى رصيف بحري عميق المياه وحظائر عسكرية ومنشآت دعم متكاملة، وهو ما حول بربرة فعليًا إلى مركز استراتيجي إقليمي بالغ الأهمية، وفقا لموقع ميدل إيست مونيتور اللندني.

والأهم من ذلك أن الموقع يُبعد إسرائيل نحو 260 كيلومترًا فقط عن المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين في اليمن، وهو ما يُلغي الحاجة إلى عمليات جوية معقدة تتجاوز ألفَي كيلومتر مع إعادة التزوّد بالوقود جوًا. وقد زار فريق من مسؤولي الأمن الإسرائيليين سواحل صوماليلاند لمسح المواقع المرشحة للقاعدة، وكان من بين المواقع المدروسة منطقة مرتفعة تقع على بعد نحو مئة كيلومتر غرب بربرة، وفقا لموقع واي نت.

الاعتراف الإسرائيلي: ثمن موطئ قدم عسكري

في السادس والعشرين من ديسمبر 2025، أصبحت إسرائيل أول دولة في العالم تمنح صوماليلاند اعترافًا رسميًا كاملا بسيادتها، وأعلن رئيس الوزراء نتنياهو الخطوة متبوعة بتبادل فوري للسفراء واتفاقيات للتعاون. وكشف وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر خلال زيارته لهرجيسا في يناير 2026 أن رئيس صوماليلاند كان قد زار إسرائيل سرًا في الصيف الماضي والتقى بمسؤولين سياسيين وأمنيين رفيعي المستوى، وأن هذه الزيارة مهّدت الطريق للاعتراف الرسمي، وفقا لموقع مليتري دوت كوم.

ووفقًا لـ«بلومبرج»، سافر أكثر من اثني عشر ضابطًا عسكريًا رفيع المستوى من صوماليلاند إلى إسرائيل لتلقي تدريبات في إطار تعميق العلاقات الأمنية، كما استأجر الإسرائيليون طابقًا كاملًا محصّنًا في فندق بهرجيسا لاستخدامه مقرًا لبعثتهم الأمنية. 

أمريكا تبحث عن بديل لجيبوتي

المصلحة الأمريكية في بربرة ليست وليدة اليوم؛ فقد تابع المخططون العسكريون الأمريكيون عن كثب الاستثمارات الإماراتية في الميناء والمطار. وفي نوفمبر 2025، زار الجنرال داغفن أندرسون، قائد القيادة الأمريكية لأفريقيا (أفريكوم)، هرجيسا وجال بربرة، والتقى بالرئيس الصوماليلاندي وكبار قادة الجيش لبحث الأهداف الأمنية المشتركة. 

وتسعى واشنطن إلى إيجاد بديل لقاعدتها في جيبوتي بسبب القاعدة العسكرية الصينية القريبة منها، إضافة إلى القيود التي تفرضها جيبوتي على استخدام أراضيها لشن عمليات ضد اليمن. وتبدو صوماليلاند في هذا السياق أكثر استعدادًا لتقديم التسهيلات العسكرية مقابل الدعم السياسي الذي يُقرّبها من الاعتراف الدولي. 

وأعلن وزير رئاسة صوماليلاند صراحة في فبراير 2026 أن بلاده على استعداد لمنح الولايات المتحدة وصولًا حصريًا إلى قواعدها العسكرية ومواردها المعدنية.

أبعاد إقليمية متشعبة: من القاهرة إلى أنقرة

يرى المحللون العسكريون أن إسرائيل تسعى من خلال هذه القاعدة إلى تحقيق ثلاثة أهداف جيواستراتيجية متشابكة تشمل تهديد الحوثيين من مسافة قريبة، وضرب المصالح التركية في الصومال حيث تمتلك أنقرة قاعدة عسكرية كبرى، والضغط على مصر عبر التأثير في حركة الملاحة عند مدخل البحر الأحمر مما ينعكس سلبًا على إيرادات قناة السويس.  

أما على الصعيد الاقتصادي، فيرى بعض المحللين أن الوجود العسكري الإسرائيلي قد يعجل بالاستثمار في ميناء بربرة والبنية التحتية المحيطة به، على غرار ما حققه الوجود الخليجي من تطوير ملموس للمنطقة. غير أن تحذيرات جدية تتصاعد من أن استضافة قاعدة إسرائيلية ستُجهد علاقات صوماليلاند مع العالم العربي والإسلامي ليلة واحدة.  

وباتت بربرة نموذجًا صارخًا لكيفية تقاطع المصالح الكبرى في بقعة جغرافية صغيرة عبر إقليم انفصالي لا يعترف به العالم يقدم نفسه كورقة للمزايدات الجيوسياسية، بينما تتسابق قوى إقليمية ودولية على اقتناص موقعه الاستراتيجي البالغ الحساسية عند مدخل أحد أهم شرايين الطاقة والتجارة في العالم.