هدنة أمريكية–إيرانية تُنعش الأسواق العالمية وسط تفاؤل حذر
شكل إعلان وقف إطلاق النار المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران منعطفًا لافتًا في معنويات المستثمرين العالميين، إذ شهدت الأسواق المالية استجابة سريعة وقوية تعكس ترجيح المستثمرين لفكرة تراجع المخاطر الجيوسياسية، خاصة تلك المرتبطة بمضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة العالمية.
ووفقًا لصحيفة الإندبندنت البريطانية، فقد انعكست هذه الهدنة على أسواق الأسهم الخليجية بشكل واضح، ما عزز توقعات تحسن النمو الاقتصادي على المدى القريب في المنطقة والعالم، رغم استمرار الحذر من عدم استقرار الأوضاع بشكل دائم.
أسواق الخليج في صعود جماعي
افتتحت أسواق الأسهم الخليجية تعاملات الأربعاء على صعود جماعي ملحوظ بعد فترة من الاضطرابات الحادة الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط.
وتصدر مؤشر السوق السعودية "تاسي" المكاسب بارتفاع يزيد على 2%، مستعيدًا مستويات 11300 نقطة، مدعومًا بصعود الأسهم القيادية في القطاع المصرفي، وخاصة أداء مصرف الراجحي والبنك الأهلي السعودي، مع عودة السيولة إلى السوق بعد تراجع ملحوظ في الأسابيع الماضية.
وفي دبي، ارتفع مؤشر سوق دبي المالي بأكثر من 8% في بداية التعاملات، مسجلًا أكبر مكاسبه اليومية منذ ديسمبر 2014، في حين حقق مؤشر أبوظبي مكاسب بلغت 3.5%، بأعلى وتيرة يومية خلال عامين.
وبالتوازي، انتعشت بورصات الكويت وقطر وسوق مسقط وسوق البحرين، وأبدت الأسواق الخليجية في مجملها تفاعلًا إيجابيًا واسعًا مع إعلان الهدنة.
تراجع مخاطر مضيق هرمز يدعم التفاؤل
يعكس هذا الأداء في أسواق المنطقة رهانات المستثمرين على تراجع الأخطار المرتبطة بمضيق هرمز، وهو الممر البحري الذي تمر عبره نسبة ضخمة من إمدادات النفط والغاز إلى الأسواق العالمية.
ويرى محللون أن أي تهدئة في التوترات في المنطقة من شأنها أن تقلل من مخاطر تعطيل إمدادات الطاقة، الأمر الذي له تأثير مباشر على أسعار النفط وأسواق الأسهم المرتبطة بالسلع الأساسية. وأشار بعض الاستراتيجيين الماليين إلى أن الهدنة يمكن أن تُعد نقطة تحول في مسار الأزمة، مؤكدين أن تحسن آفاق النمو في المنطقة مرتبط بمدى استدامة هذا الزخم الإيجابي في الأسواق خلال الفترة المقبلة.
موجة صعود عالمية تشمل المؤشرات الكبرى
لم تقتصر موجة التفاؤل على أسواق الخليج فقط، بل امتدت إلى الأسواق العالمية، فقد ارتفعت العقود الآجلة لمؤشر "ستوكس 50" الأوروبي بأكثر من 5%، متجهة نحو تسجيل أكبر مكاسب يومية منذ عام 2022.
كما صعدت العقود الآجلة لمؤشر "ستاندرد أند بورز 500" بنحو 2.6%، في إشارة واضحة إلى تحسن المعنويات على المستوى العالمي.
وفي آسيا، قفز مؤشر "نيكاي" الياباني بنحو 5.4%، بينما ارتفع مؤشر "كوسبي" الكوري الجنوبي بنسبة 7%، كما سجل مؤشر "أي إس إكس" الأسترالي ارتفاعًا ملحوظًا، ما يعكس تحولًا سريعًا في معنويات المستثمرين من الحذر إلى التفاؤل.
انتعاش الذهب والعملات الرقمية
شملت المكاسب معظم فئات الأصول، مع ارتفاع أسعار الذهب بنسبة 2.4% والفضة بنسبة 5.3%، بالتزامن مع صعود العملات الرقمية مثل بيتكوين بنسبة 3.4%، بينما سجل مؤشر "بلومبيرغ" للدولار هبوطًا بنحو 0.8% أمام سلة العملات الرئيسية.
ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعكس إعادة تسعير واسعة للمخاطر، وتوجه المستثمرين نحو الأصول ذات العائد الأعلى بعد تهدئة بعض المخاوف الجيوسياسية.
آراء المحللين: نقطة تحول أم هدوء مؤقت؟
يرى بعض الخبراء أن استجابة الأسواق الإيجابية تعكس توقعات بانحسار التوترات الجيوسياسية، خصوصًا فيما يتعلق بأمن الملاحة في مضيق هرمز وأسعار الطاقة العالمية.
وأكدوا أن الأسواق في المنطقة "ترهن آمالها بأن تشكل الهدنة نقطة تحول في مسار الأزمة"، مشددين على أن ما ستسفر عنه المفاوضات في الفترة المقبلة سيكون حاسمًا في الحفاظ على هذا الزخم.
من جانبه، أشار كبير استراتيجيي الأسهم في معهد أبحاث طوكيو إلى أن وجود وسيط في الاتفاق يزيد من مصداقيته، ما يعزز الآمال في أن تتحول الهدنة إلى وقف إطلاق نار أكثر استدامة.
لكن كبير محللي السوق في مؤسسة مالية بأستراليا حذر من أن أسعار النفط لن تعود إلى مستويات ما قبل الحرب في المدى القريب، ما يعني استمرار الضغوط التضخمية وتأثيرها على الاقتصادات العالمية.
تفاؤل حذر
على الرغم من التفاؤل، فإن العيون لا تزال تترقب بقلق التطورات خلال الأسبوعين المقبلين، خاصة في ظل عدم وضوح مدى التزام إيران الكامل بما تم الاتفاق عليه، وقد أشار خبير في استراتيجيات العملات الأجنبية إلى أن الأسواق لا تزال معرضة للتراجع إذا ما ظهرت أي أنباء جديدة تعيد رفع التوترات.
وفي هذا الإطار، أكد محللون أن إعادة بناء البنية التحتية المتضررة قد تستغرق وقتًا طويلًا نسبيًا، وأن عودة تدفقات النفط والغاز إلى مستوياتها الطبيعية لن تكون فورية، ما يجعل الأسواق لا تزال في حاجة إلى الحذر خلال الأيام المقبلة.
اتفاق سلام دائم
يرى العديد من الخبراء أن المستثمرين لن يتحملوا مخاطر جديدة ما لم يتحقق سلام شامل ومستدام، مشيرين إلى أن جزءًا من تحركات السوق الحالية مدفوع بأنظمة التداول الآلي، وليس فقط بتحسن المعنويات.
وأكد كبار الخبراء الاقتصاديين أن المستثمرين يدركون أن الهدنة الحالية ليست نهاية الأزمة، بل مجرد خطوة أولى في طريق طويل نحو استقرار الأسواق وأسعار الطاقة، مع بقاء العديد من العوامل غير المؤكدة التي يمكن أن تعيد صياغة توقعات الأسواق في أي لحظة.
استمرار عدم اليقين
شكّلت الهدنة المؤقتة بين الولايات المتحدة وإيران دفعة إيجابية للأسواق العالمية، وأدت إلى صعود جماعي في الأسواق الخليجية والعالمية.
ومع ذلك، يبقى التفاؤل حذرًا، إذ تتوقف قدرة الأسواق على الحفاظ على مكاسبها على مدى التزام الأطراف المعنية بالاتفاق، والتقدم الفعلي في المفاوضات، واستئناف تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز.
وفي ظل استمرار المخاطر الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة، سيظل المستثمرون في حالة ترقب، مع الاستعداد لتأثير أي تطورات جديدة قد تعيد رسم اتجاه الأسواق في المرحلة المقبلة.