< كيف حول نتنياهو تسريب خطة الموساد للإطاحة بالنظام الإيراني لصالحه؟.. تكتيك خطير
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

كيف حول نتنياهو تسريب خطة الموساد للإطاحة بالنظام الإيراني لصالحه؟.. تكتيك خطير

الرئيس نيوز

دخلت الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران في ربيع 2026 مرحلة أكثر تعقيدًا وتشابكًا، ليس فقط على مستوى العمليات العسكرية، بل أيضًا في ساحة الصراع السياسي والإعلامي. فقد كشفت تسريبات استخباراتية غربية، نشرتها صحيفة نيويورك تايمز وتقاطعت مع تحليلات منشورة على منصة إنتل نيوز، عن تسريب خطة أعدها جهاز الموساد تستهدف إضعاف النظام الإيراني عبر مزيج من الضغط العسكري وتحفيز اضطرابات داخلية.

نتنياهو يقلب المعادلة


ورغم أن مثل هذا التسريب كان يفترض أن يضع الحكومة الإسرائيلية في موقف دفاعي، فإن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو نجح في قلب المعادلة، محولا ما بدا أزمة استخباراتية إلى أداة سياسية عززت موقعه داخليا وخارجيا.

خلفية الخطة المسربة: بين الطموح الاستخباراتي والواقع الميداني

تشير تفاصيل الخطة، التي ارتبطت برؤية رئيس الموساد ديفيد برنياع، إلى افتراض محوري مفاده أن الضربات العسكرية المكثفة، بالتوازي مع الضغوط الاقتصادية، يمكن أن تخلق بيئة قابلة للاشتعال داخل إيران. الفكرة لم تكن مجرد إضعاف عسكري، بل دفع الشارع الإيراني نحو انتفاضة واسعة قد تؤدي إلى تغيير النظام أو على الأقل تقويضه جذريًا. ويبدو أن هذا التصور وجد صدى داخل إدارة دونالد ترامب، حيث تم دمجه ضمن حسابات أوسع للحرب، باعتباره “اختصارا استراتيجيا” من شأنه أن يجنب واشنطن وتل أبيب حربا طويلة ومكلفة.


لكن التطورات على الأرض جاءت مغايرة التصورات الموساد. فبدلا من اندلاع احتجاجات واسعة، أظهرت المؤشرات أن النظام الإيراني تمكن من احتواء الضغوط، بل واستفاد جزئيا من الهجوم الخارجي لتعزيز تماسكه الداخلي. هذا التباين بين التقدير الاستخباراتي والواقع الميداني جعل التسريب يبدو وكأنه يكشف مبالغة إسرائيلية مخلة في قراءة المزاج الشعبي الإيراني.

نتنياهو وإعادة تدوير الأزمة: من تسريب محرج إلى ورقة قوة


في العادة، تمثل مثل هذه التسريبات خطرا سياسيا، إذ قد تستخدم لإثبات سوء التقدير أو التهور في اتخاذ القرار. غير أن نتنياهو تعامل مع الأمر بمنطق مختلف: فبدلا من نفي الخطة أو التقليل من أهميتها، أعاد تقديمها كدليل على وجود رؤية استراتيجية متكاملة، أو ربما ليتبرأ من الفشل إذا تطورت مجريات الحرب إلى مسار محرج لحكومته إذ يمكنه الخروج على الملأ معلنا أنها لم تكن فكرته من الأساس.

ووفقا لصحيفة تايم أوف إسرائيل، سعى نتنياهو إلى توظيف التسريب لإقناع الرأي العام بأن حكومته لا تتحرك بردود فعل عشوائية، بل وفق تصور مدروس متعدد المراحل، حتى وإن لم تتحقق نتائجه فورًا. هذا الخطاب سمح له بتحويل النقاش من “فشل محتمل” إلى “خطة طويلة الأمد لم تكتمل بعد”.


الأهم من ذلك، أن نتنياهو استخدم التسريب لإعادة توزيع المسؤولية. فإذا نجحت الخطة، فهو صاحب القرار السياسي. وإذا تعثرت، يمكن الإشارة إلى أنها كانت تقديرًا استخباراتيًا بالأساس. بهذه الطريقة، ضمن هامشًا واسعًا للمناورة، دون أن يتحمل الكلفة الكاملة لأي سيناريو سلبي.
 

واشنطن بين الشراكة وتبادل الاتهامات
على الجانب الأمريكي

لم يكن التسريب بعيدًا عن الحسابات السياسية الداخلية. فبعض الدوائر داخل الإدارة الأمريكية رأت فيه فرصة لإلقاء جزء من المسؤولية على إسرائيل، خاصة في ظل تزايد المخاوف من تصاعد تكلفة الحرب، سواء من حيث ارتفاع أسعار الطاقة أو المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز.

هذا التباين في الروايات خلق ما يشبه “حرب سرديات” موازية للحرب العسكرية. فبينما حاولت بعض الأصوات في واشنطن الإيحاء بأن إسرائيل دفعت نحو الحرب عبر وعود بنصر سريع، حرص نتنياهو على إظهار العكس: شريك استراتيجي يمتلك خطة واضحة تتماشى مع الأهداف الأمريكية.

ردود الفعل الدولية: قلق من سيناريو تغيير النظام
 

أثارت الخطة المسربة قلقا واسعا في الأوساط الدولية. فقد اعتبرت صحيفة فاينانشيال تايمز البريطانية أن الحديث عن خطة لإسقاط النظام الإيراني يعكس تحولا خطيرا نحو سياسة تغيير الأنظمة، وهو ما قد يفتح الباب أمام صراع إقليمي طويل.

في المقابل، رجحت نيويورك تايمز  أن ما جرى يكشف فجوة واضحة بين التقديرات الاستخباراتية والواقع، حيث لم تؤدي العمليات العسكرية إلى النتائج الاجتماعية والسياسية المتوقعة داخل إيران.
 

الداخل الإسرائيلي: مكاسب سياسية رغم الشكوك


داخليًا، منح التسريب نتنياهو دفعة سياسية مهمة. فقد ظهر بمظهر القائد الذي يمتلك تصورًا استراتيجيًا، في وقت كانت المعارضة تتهمه بالاندفاع نحو حرب غير محسوبة. ولكن هذه المكاسب لم تكن بلا ثمن. إذ أعاد التسريب فتح النقاش حول دقة تقديرات الأجهزة الاستخباراتية، وحدود اعتماد القيادة السياسية عليها. كما أثار تساؤلات حول ما إذا كانت القرارات الكبرى تُبنى على تحليلات واقعية أم على سيناريوهات متفائلة أكثر من اللازم.
 إدارة الرواية لا تقل أهمية عن إدارة الحرب
تكشف هذه القضية أن الحروب الحديثة لا تُخاض فقط بالصواريخ والطائرات، بل أيضًا بالروايات والتسريبات. فبينما فشلت الخطة—حتى الآن—في تحقيق هدفها الأساسي بإشعال الداخل الإيراني، نجح نتنياهو في استثمارها سياسيًا، محولًا إياها من نقطة ضعف إلى عنصر قوة.
لكن هذا النجاح التكتيكي لا يغيّر من حقيقة أن الحرب ما زالت مفتوحة على احتمالات معقدة. 

كما أن التقديرات الاستخباراتية التي لم تتحقق تطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل الصراع، وحدود القدرة على هندسة التغيير السياسي من الخارج، وقد يكون الدرس الأبرز هو أن السيطرة على “سردية الحرب” أصبحت لا تقل أهمية عن السيطرة على مجرياتها الميدانية—وهو درس يبدو أن نتنياهو استوعبه جيدًا، حتى وإن بقيت نتائج الحرب نفسها غير محسومة.