< حرب المنشورات الفكاهية والميمز: سفارات إيران تحول التهديدات الأمريكية إلى مادة للسخرية
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

حرب المنشورات الفكاهية والميمز: سفارات إيران تحول التهديدات الأمريكية إلى مادة للسخرية

الرئيس نيوز

منذ اندلاع الحرب بين واشنطن وطهران، وجدت السفارات الإيرانية المنتشرة في أربع قارات سلاحا جديدا لم يكن في حسبان البنتاجون يتمثل في السخرية اللاذعة على منصة إكس. وقد تحولت هذه الحسابات الدبلوماسية من نوافذ بروتوكولية تقليدية باردة إلى ميدان مواز لمواجهة الخطاب الأمريكي، كلمة بكلمة، ومنشور بمنشور وميم بميم. ومع تصاعد التوترات حول مضيق هرمز وتهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتلاحقة، شنت السفارات الإيرانية حملةً منسقةً وغير مسبوقة، حولت التوتر الجيوسياسي إلى "حرب كلمات" تتصدر التريند، وأثارت ملايين التفاعلات حول العالم.

الشرارة منشور ترامب المثير للجدل

كانت الشرارة الأبرز حين نشر ترامب منشورًا على منصة تروث سوشيال بلغة نادرًا ما تصدر عن رئيس أمريكي، طالبًا فيه بفتح مضيق هرمز بعبارات تنطوي على شتائم صريحة، مهددًا بضربات مدمرة لمحطات الكهرباء والجسور الإيرانية، وضاربًا موعدًا نهائيًا للامتثال. فردت السفارات الإيرانية حول العالم بالسخرية والاستهزاء، في ما وصفه المراقبون بأنه "انتصار إيراني في حرب التواصل الاجتماعي"، وفقا لشبكة سي إن إن الإخبارية.

نجومية سفارة إيران في زيمبابوي

وبرزت سفارة إيران في زيمبابوي بوصفها أكثر الحسابات الدبلوماسية نشاطا وإبداعا في هذه الحملة. ردت على مطلب ترامب بفتح المضيق ببساطة بعبارة: "لقد فقدنا المفاتيح". ولم تكتفِ بذلك، بل طالبت بتغيير الموعد النهائي، مقترحة أن يكون بين الساعة الواحدة والثانية فجرًا بدلًا من الثامنة مساءً، مختتمة تغريدتها بعبارة "شكرًا لاهتمامكم بهذا الشأن المهم"، وفقا لموقع وايو نيوز.

وحين علق أحد المستخدمين ساخرًا: "إيران تسخر من ترامب، في أي قرن نحن؟"، ردت السفارة فورًا: "لسنا في العصر الحجري... بعد"، في إشارة مباشرة إلى تهديد سابق لترامب بـ"إعادة إيران إلى العصر الحجري". 

وفي لحظة من التحدي المكشوف، نشرت السفارة ذاتها: "ترامب، تكلم من فضلك، نحن نشعر بالملل". وحين سأل مستخدم عن منافستها مع سفارة جنوب أفريقيا، رد حساب السفارة بهدوء: "أنا لا ألعب بالنار — على أقصى تقدير مع ترامب". 

كما نشرت السفارة تعريفًا للبروتوكول الرئاسي شارحة المعايير المتوقعة من رئيس في منصبه، من بينها: اللغة المحترمة في البيانات العلنية، والسلوك اللائق الذي يعكس جدية المنصب، والتحكم في النفس أثناء الأزمات. 

سفارة جنوب أفريقيا: الميمز السياسية والمشاعر الحادة

ونصحت سفارة إيران في جنوب أفريقيا الأمريكيين بـ"التفكير الجدي في تفعيل المادة الخامسة والعشرين، القسم الرابع" من الدستور — وهي المادة التي تتيح إعلان الرئيس عاجزًا عن ممارسة مهامه ونقل السلطة إلى نائبه، وفقا لموقع واي نت.

ونشرت السفارة كذلك محادثة نصية مزورة يتحدث فيها ترامب مع نفسه باسم "رئيس السلام (أنت)"، ساخرةً من تصريحاته بوجود "محادثات مثمرة مع إيران" التي نفتها طهران على الفور، وأضافت السفارة في ردها على تصريحات الإدارة الأمريكية عن "تغيير النظام": "تم تغيير النظام بنجاح... لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا" — في تلاعب لاذع بشعار ترامب الانتخابي الشهير. كما نشرت: "شهـ… المفاتيح تحت إناء الزهور. نفتح للأصدقاء فحسب".  

سفارة النمسا: الدبلوماسية تلتقي بالتشريح النفسي

فيما وصفت سفارة إيران في النمسا منشور ترامب بأنه "انزلاق غير مسبوق نحو التوسل، مغلفا بالخشونة والتهديدات الجوفاء"، مضيفة: "اليأس واضح، يقطر من كل مقطع وكلمة — خاصةً الشتائم المبعثرة". كما ذكرت بأن "استهداف البنية التحتية المدنية من جسور ومحطات كهرباء جريمة حرب"، وختمت بتحذير لافت: "نحذر من تعريض الأطفال دون الثامنة عشرة لخطاب ترامب"، وفقا لحيفة تركيا توداي وفي تعليق آخر نسب إليها، شبهت لغة ترامب بلغة "رجل من العصر الحجري يرتدي جلد حمار وحشي ويلوح بعصاه، معاملا الوحشية كسلوك يومي معتاد".

سفارتا بلغاريا والهند: "اهدأ يا نمر" و"تمالك نفسك أيها الرجل العجوز"

وردت سفارة إيران في بلغاريا ببساطة: "اهدأ يا نمر، تحكم في أعصابك". أما سفارة إيران في الهند والقنصلية في حيدراباد، فقد ركزتا على لغة ترامب النابية، معلقتين: "الشتائم لا تليق بعمره — تمالك نفسك أيها الرجل العجوز!"، وهي عبارة مقتبسة من الروائي الأمريكي الشهير مارك توين، واصفتين السلوك بأنه "سمة الأطفال الخاسرين الغاضبين".

سفارات المملكة المتحدة وتايلاند ونيجيريا: أدب وفكاهة وفن

واختارت سفارة إيران في المملكة المتحدة مقاربةً أدبية، إذ نقلت عن مارك توين: "من الأفضل أن تبقي فمك مغلقا ويظن الناس أنك أحمق، من أن تفتحه وتؤكد لهم ذلك". وأضافت إليه بيتًا من الشعر الفارسي الكلاسيكي في تلميح لطبيعة ترامب.  

وحين تساءل ترامب في منشور آخر "أيّ دولة تريد النفط؟"، ردت سفارة إيران في المملكة المتحدة: "حسنًا، لقد احتفظنا به هنا في الخليج".  
وعلى نفس المنوال، علقت سفارة إيران في تايلاند: "بالنظر إلى طريقة شتم الرئيس كمراهق، يبدو أن الولايات المتحدة هي التي وصلت إلى العصر الحجري أسرع مما توقعنا". ونشرت السفارة ذاتها رسومًا متحركة بشخصيات ليجو تظهر جنودًا أمريكيين يطاردون من قبل القوات الإيرانية، بتعليق: "حاليًا في إيران". أما سفارة نيجيريا، فحولت إسقاط طائرة أمريكية إلى لعبة بالألفاظ: "لم تكن F-35... كانت الكبرياء الأمريكية هي التي تحطمت. اقرأها هكذا: أووووف-35". 


ظاهرة دبلوماسية غير مسبوقة
يرى المحللون أن الحملة الرقمية الإيرانية منسّقة ومتعمّدة، تستهدف تشكيل الرأي العام العالمي وإرباك الإدارة الأمريكية من خلال توظيف الفكاهة السوداء وتقنيات الميمز ضد ترامب في ملعبه المفضّل — الإنترنت. وقد وصف بعض المراقبين ما يجري بأنه "دفاع ميمي لامركزي" تخوضه طهران عبر سفاراتها في أربع قارات في آنٍ واحد. 

واستخدمت السفارات الإيرانية مزيجًا من المنشورات الفكاهية والميمات والفيديوهات المولدة بالذكاء الاصطناعي والردود القصيرة الذكية، محولة التوتر الجيوسياسي المحتقن إلى محتوى يتداوله الملايين.
 

وتعكس هذه الظاهرة تحولا عميقًا في طبيعة الدبلوماسية الرقمية الحديثة؛ إذ لم تعد السفارات مجرد قنوات تواصل رسمية، بل باتت أدوات حرب نفسية وإعلامية تستهدف الرأي العام العالمي مباشرةً، متجاوزة الصحافة التقليدية. وفي هذه المعركة تحديدًا، بدت إيران وكأنها تخوض حرب الميمز بخبرة من درس قواعد اللعبة جيدا، في ملعب خصمها ذاته.