التكتم على الخسائر.. هل يخفي البنتاجون الثمن الحقيقي للحرب؟
ماذا لو لم تُعلن الخسائر الأمريكية بشكل كامل وشفاف؟، أصبح هذا السؤال محور تحقيق موسع نشره موقع «ذا إنترسبت» الأمريكي المتخصص في التحقيقات الاستقصائية، والذي يكشف عن نمط متكرر من الغموض والتعتيم داخل البنتاجون.
ففي ظل تصاعد العمليات الجوية والبحرية في مسرح العمليات الإيراني، تتسع الفجوة بين الرواية الرسمية والوقائع الميدانية، ويشير الموقع إلى أن ما يُعلن لا يعكس بالضرورة الحجم الحقيقي للخسائر أو تعقيدات الميدان.
رواية رسمية وواقع غامض
منذ بداية العمليات، يقدم البنتاجون رواية محدودة تركز على «نجاحات تكتيكية» و«ضربات دقيقة»، بينما يغيب الحديث المفصل عن الخسائر البشرية أو تدمير المعدات، هذا النهج ليس جديدًا، بل يمثل امتدادًا لسياسات إعلامية اتبعتها واشنطن في حروب سابقة، حيث تُدار المعلومات باعتبارها جزءًا من المعركة.
الجديد هذه المرة يكمن في حجم التناقض بين الروايات الرسمية والتقارير غير الرسمية، خاصة مع انتشار تسريبات من داخل المؤسسة العسكرية تشير إلى خسائر أكبر مما يتم الإعلان عنه.
فجوة المعلومات
يعتمد البنتاجون على منظومة معقدة لإدارة تدفق المعلومات، تتضمن:
- تأخير إعلان الخسائر الحساسة إلى حين امتصاص أثرها.
- تصنيف العمليات ذات المخاطر العالية ومنع نشر تفاصيلها.
- إعادة صياغة النتائج الميدانية بلغة فضفاضة تقلل من حجم الضرر.
هذا الأسلوب لا يهدف فقط إلى حماية المعلومات العسكرية، بل أيضًا إلى التحكم في الرأي العام، خصوصًا في ظل متابعة إعلامية عالمية مكثفة.
مؤشرات ميدانية تثير القلق
تشير تقارير غير رسمية إلى سلسلة من الحوادث التي لم يتم توضيحها بالكامل، من بينها:
- إسقاط أو تضرر طائرات مقاتلة في مهام عالية الخطورة.
- عمليات إنقاذ معقدة لجنود خلف خطوط الاشتباك.
- خسائر في معدات بحرية نتيجة تهديدات غير متكافئة.
تعكس هذه المؤشرات واقعًا أكثر تعقيدًا مما تعكسه البيانات الرسمية؛ إذ يكشف التحليل أن ما يقرب من 750 جنديًا أمريكيًا قتلوا أو أصيبوا في الشرق الأوسط منذ أكتوبر 2023، بينهم أكثر من 520 مصابًا خلال الحرب الحالية فقط، في حين لا يقل عدد القتلى عن 15 جنديًا منذ اندلاع المواجهة مع إيران.
في المقابل، تحدثت الأرقام الرسمية الصادرة عن القيادة المركزية الأمريكية عن 303 مصابين فقط، وهي حصيلة قديمة وناقصة، إذ لم تشمل حتى 15 إصابة جديدة في هجوم واحد على قاعدة بالسعودية.
وتتجاوز الفجوة ذلك، مع استبعاد أكثر من 200 بحار أُصيبوا في حادث على متن حاملة الطائرات، فضلًا عن آلاف الإصابات بين المتعاقدين التي قد ترفع العدد الإجمالي إلى أكثر من 13،600 حالة.
هذه الأرقام، بكل تناقضاتها، تطرح تساؤلات جدية حول مدى السيطرة الفعلية على مجريات الحرب وحجم الفجوة بين الأداء الميداني والرواية الرسمية.
لماذا الإخفاء الآن؟
تسعى إدارة دونالد ترامب إلى الحفاظ على صورة «حرب سريعة وحاسمة»، ما يتطلب تقليل أي إشارات إلى خسائر قد تعرقل هذا التصور، فالاعتراف بتكاليف مرتفعة قد يفتح الباب أمام انتقادات سياسية داخلية ويضعف الدعم الشعبي.
كما تدرك الإدارة أن الرأي العام الأمريكي بات أكثر حساسية تجاه الخسائر العسكرية، خاصة بعد تجارب مريرة في الشرق الأوسط.
الإعلام المستقل في مواجهة الرواية الرسمية
في المقابل، تلعب منصات مثل «ذا إنترسبت» الاستقصائية دورًا محوريًا في كشف ما وراء البيانات الرسمية، عبر الاعتماد على مصادر داخلية وتحليلات مستقلة، هذه الجهود لا تقدم دائمًا صورة مكتملة، لكنها تسلط الضوء على مناطق الظل التي تحاول المؤسسات الرسمية إبقائها خارج النقاش العام.
التكلفة السياسية قبل العسكرية
تمثل إدارة المعلومات بهذا الشكل رهانًا سياسيًا بقدر ما هي قرار عسكري، فكلما تم تأجيل كشف الحقيقة، زادت المخاطر المرتبطة بفقدان الثقة عند ظهورها لاحقًا.
ويثبت التاريخ أن الفجوة بين الواقع والرواية الرسمية قد تتحول إلى أزمة بحد ذاتها، تتجاوز تأثيرها ساحة المعركة لتصل إلى الداخل السياسي.
ورجح الموقع الأمريكي أن المواجهة بين واشنطن وطهران لم تعد تقتصر على الصراع العسكري، بل تمتد إلى معركة موازية على السرد والمعلومة. البنتاجون يسعى للسيطرة على الرواية، بينما تحاول وسائل الإعلام المستقلة كشف ما يجري خلف الكواليس.