< اختبار مصيري للأمم المتحدة.. "هرمز" يكشف عجز النظام الدولي عن حماية شرايين الطاقة
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

اختبار مصيري للأمم المتحدة.. "هرمز" يكشف عجز النظام الدولي عن حماية شرايين الطاقة

الرئيس نيوز

يعيش العالم حالة من الترقب المشوب بالحذر مع تحول مضيق هرمز، الشريان الحيوي الذي يغذي الاقتصاد العالمي بنحو 20% من احتياجاته النفطية، إلى ساحة اشتباك دبلوماسي حاد داخل مجلس الأمن الدولي. 

لم يكن تأجيل التصويت على مشروع القرار البحريني مجرد ضرورة فرضتها عطلة رسمية أو حاجة لمزيد من الوقت التقني، بل كان اعترافًا ضمنيًا بعمق الانقسام الدولي حول شرعية استخدام القوة في منطقة هي بمثابة "برميل بارود" عالمي، وفقا لصحيفة نيويورك تايمز، إذ يضع التوتر القائم بين حماية الملاحة التجارية وسط مخاوف التصعيد العسكري الأمم المتحدة أمام اختبار مصيري لقدرتها على حلحلة الأزمات قبل انفجارها.

المسعى البحريني: بين الملاحة والسيادة
وقدمت مملكة البحرين، بصفتها رئيسة الدورة الحالية، مشروع قرار يعكس القلق الوجودي لدول مجلس التعاون الخليجي من استمرار إغلاق المضيق فعليًا أمام حركة الشحن. في البداية، طُرحت المسودة بلغة حازمة تستند إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، متضمنة عبارة "اتخاذ كل الوسائل اللازمة"، وهي العبارة التي تمنح ضوءًا أخضر للعمليات العسكرية الهجومية. إلا أن الضغوط الدبلوماسية والمفاوضات الشاقة خلف الكواليس أدت إلى "تمييع" النص وعدم الخروج بصياغة حاسمة، ليقتصر على تفويض "وسائل دفاعية ضرورية" وبمدة زمنية محددة بستة أشهر، في محاولة لاستمالة الأصوات المعارضة وتجنب الفشل المبكر.

الموقف الصيني: الفلسفة السياسية مقابل أمن الطاقة

تبرز الصين كلاعب محوري في هذه الأزمة، إذ يجسد موقفها معضلة استراتيجية فريدة. فمن جهة، تعد بكين أكبر مستورد للنفط في العالم، وأي اضطراب في هرمز يضرب أمنها القومي الاقتصادي في مقتل. ومن جهة أخرى، يرفض التنين الصيني بشكل قطعي منح أي غطاء قانوني لاستخدام القوة العسكرية الدولية. تصريحات المندوب الصيني الدائم، فو كونغ، لم تكن مجرد اعتراض إجرائي، بل كانت تحذيرًا من "شرعنة الاستخدام العشوائي للقوة". وترى بكين أن أي تفويض عسكري، حتى لو كان "دفاعيًا"، قد يُساء استخدامه ويتحول إلى ذريعة لتغيير موازين القوى في المنطقة أو لشن هجمات تستهدف البنية التحتية الإيرانية، مما سيؤدي حتمًا إلى "نتائج كارثية" تتجاوز حدود المضيق.

جبهة المعارضة: روسيا وفرنسا وهواجس التصعيد
لم تكن الصين وحيدة في خندق الاعتراض؛ فقد شكلت روسيا وفرنسا جبهة ضاغطة ترى في القرار "فخًا" قد يجر المنطقة إلى صراع إقليمي شامل. روسيا، المنهمكة في صراعاتها الجيوسياسية الخاصة، تجد في الموقف الصيني حليفًا لتقويض النفوذ الأمريكي في المنطقة. أما فرنسا، فتعكس موقفًا أوروبيًا متوجسًا يخشى من انهيار القنوات الدبلوماسية المتبقية مع طهران. هذا المثلث (بكين – موسكو - باريس) نجح في إجبار المخططين للقرار على حذف الإشارات للهجمات الهجومية، مؤكدين أن الحل يجب أن يمر عبر المسارات السياسية والتفاوضية وليس عبر فوهات المدافع.

تداعيات التأجيل: فرصة للدبلوماسية أم هدوء ما قبل العاصفة؟

ويمنح تأجيل التصويت إلى الأسبوع المقبل نافذة زمنية ضيقة للحراك الدبلوماسي المكثف. القمة البريطانية الافتراضية التي ضمت أكثر من 35 دولة تشير إلى أن هناك مسارًا موازيًا يُطبخ خارج أروقة الأمم المتحدة. ففي حال استمرار التعنت الصيني والروسي واستخدام حق النقض، الفيتو، قد يجد العالم نفسه أمام "تحالفات الضرورة" خارج إطار الشرعية الدولية، وهو سيناريو تخشاه الأمم المتحدة لأنه يساهم دون شك في إضعاف دورها كمرجعية وحيدة للأمن والسلم الدوليين. أما تأجيل التصويت فهو بمثابة "مناورة" بحرينية - أمريكية لضمان عدم خروج المجلس بصورة المنقسم، وللبحث عن صيغة لغوية تضمن "الأمن" دون أن تمنح "التفويض بالهجوم".

التحليل الاقتصادي والأمني: تكلفة انسداد الشريان البحري الحيوي

على الصعيد الميداني، أدى الإغلاق الفعلي للمضيق إلى قفزات تاريخية في أسعار النفط، مما يهدد بموجة تضخم عالمية جديدة. إن الدول الغربية والخليجية ترى أن الصمت على إغلاق الممر المائي هو بمثابة استسلام لسياسة "ليّ الأذرع" التي تمارسها الأطراف الإقليمية المتنازعة. بالنسبة لواشنطن وحلفائها، فإن استعادة حرية الملاحة ليست مجرد مصلحة اقتصادية، بل هي تأكيد على مبدأ حرية البحار وقواعد النظام العالمي التي أصبحت مهددة بشكل مباشر في هرمز.

مستقبل معلق 
تعد أزمة مضيق هرمز اليوم مرآة للانقسامات التي يعاني منها النظام الدولي الجديد، إذ لم يعد بإمكان قوة واحدة فرض أجندتها العسكرية عبر مجلس الأمن، وهي انقسامات بين "ضرورة الحماية" و"مخاطر التفويض" تركت الملاحة العالمية، في نهاية المطاف، رهينة للتوافقات الكبرى.

ووفقًا لنيويورك تايمز، إذا أخفق مجلس الأمن في التوصل إلى قرار الأسبوع المقبل، فإن البدائل ستكون مريرة؛ فإما القبول بواقع جيوسياسي جديد تفرضه القوى الإقليمية على الأرض، أو الانزلاق نحو تشكيل تحالفات عسكرية دولية خارج مظلة القانون الدولي، ما يجعل من مضيق هرمز شرارة لمواجهة كبرى قد لا يستطيع أحد احتواء تداعياتها. فهل تنتصر "الواقعية السياسية" الصينية التي تنادي بالحوار، أم ستفرض "الضرورة الأمنية" الغربية الخليجية منطق القوة؟