< «أمريكا أولا».. هل ينفذ ترامب تهديداته بالانسحاب من حلف الناتو؟
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

«أمريكا أولا».. هل ينفذ ترامب تهديداته بالانسحاب من حلف الناتو؟

الرئيس نيوز

يُواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مُعارضة متزايدة من الكونجرس بسبب تهديداته المُتكررة بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي، «الناتو»، في أعقاب رفض حلفاء أوروبيين المُشاركة في العمليات العسكرية الأمريكية المُرتبطة بالنزاع مع إيران وإعادة فتح مضيق هرمز، ويأتي هذا التوتر في سياق اتهام ترامب للناتو بأنه «نمر من ورق»، مُعتبرا أن الحلف لم يُقدم الدعم المطلوب للولايات المتحدة رغم الدعم التاريخي الذي قدمته أمريكا لأوروبا. 

تهديدات ترامب ليست مجرد تصريحات انتخابية بل فلسفة أمريكا أولا

ووفقا لصحيفة «يو إس توداي»، فإن هذه التهديدات ليست مجرد تصريحات انتخابية، بل تعكس فلسفة «أمريكا أولا» التي يتبناها ترامب، مع التركيز على مشكلة «تقاسم الأعباء» داخل الحلف، لكنها تثير مخاوف جدية حول استقرار الأمن العالمي وعلاقات ما بعد الحرب العالمية الثانية.

ويستند مُعارضو ترامب في الكونجرس إلى قانون أقره الكونجرس عام 2023 ويشمل بندا في قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2024، الذي يشترط موافقة أغلبية الثلثين في مجلس الشيوخ قبل أي انسحاب أمريكي من الناتو، وانضم جمهوريون بارزون مثل السيناتور ميتش ماكونيل، وتوم تيليس إلى الديمقراطيين في رفض أي محاولة للانسحاب، مُؤكدين أن «الناتو»، أنقذ أرواحا أمريكية ويحمي الاستقرار الأوروبي منذ عقود. 

ويحذر النواب والسياسيون من تعبات الانسحاب باعتباره من شأنه أن يجعل روسيا والصين أكثر تهديدا للولايات المتحدة وأوروبا، معتبرين أن الأمريكيين أكثر أمانا عندما يكون الناتو قويا وموحدا، هذا الرفض الحزبي النادر يعكس عمق الالتزام الأمريكي بالحلف، رغم الخلافات حول الإنفاق الدفاعي.

إلى أي مدى تصل صلاحيات الرئيس الأمريكي ترامب؟ هل ينسحب من الناتو

ومن الناحية القانونية والدستورية، يثير التهديد جدلا حول صلاحيات الرئيس، فبينما يرى بعض الخبراء أن الرئيس يملك سلطة دستورية للانسحاب أُحادي الجانب من المعاهدات الدولية، كما أكد مكتب المستشار القانوني في وزارة العدل خلال الولاية الأولى لترامب – إلا أن القانون الجديد يعقد الأمر ويفتح الباب أمام تحديات قضائية مُحتملة تصل إلى المحكمة العليا، وفي الوقت نفسه، يشير خبراء مثل جون ديني، الأستاذ بكلية الحرب الأمريكية، إلى أن «المحكمة لا تزال مُعلقة»، بشأن إمكانية الانسحاب الأحادي، لكن الإدارة الحالية معروفة باختبار حدود السلطة التنفيذية، أما نانسي بيلوسي، المتحدثة السابقة لمجلس النواب، فقد أكدت أن «القانون واضح: لا يستطيع أي رئيس الانسحاب من الناتو دون موافقة الكونجرس»، واصفة التهديدات بأنها «قصيرة النظر وهدية لفلاديمير بوتين».

ولا يقتصر خيار ترامب على الانسحاب الكامل، بل تمتلك الإدارة خيارات بديلة أقل دراماتيكية لكنها مُؤثرة عمليا، مثل تقليص التمويل الأمريكي للناتو، الذي يمثل نحو 16% من ميزانيته البالغة 6.1 مليارات دولار عام 2026، أو سحب القوات الأمريكية من أوروبا الشرقية (حيث يوجد نحو 85 ألف جندي أمريكي)، أو إعادة تعيين القائد الأعلى للحلف في أوروبا، منصب تقليدي يتقلده أمريكي، أو حتى عرقلة المبادرات المشتركة عبر «الفيتو»، البيروقراطي كما فعل الرئيس المجري فيكتور أوربان. 

ويؤكد خبراء مثل الضابط المتقاعد سيدريك لايتون أن ترامب «إذا لم يستطع الانسحاب الكامل، يمكنه تعطيل العمل من الداخل»، مما قد يؤدي إلى تفكيك تدريجي للحلف دون إعلان رسمي، هذه الخيارات تسمح لترامب بتوفير مئات المليارات سنويا، كما يدعي، مع الحفاظ على مظهر الالتزام الشكلي.

يأتي التوتر الحالي نتيجة مباشرة لرفض حلفاء أوروبيين (إسبانيا، إيطاليا، النمسا، وبريطانيا مؤقتا) السماح باستخدام قواعدهم الجوية أو مجالهم الجوي في العمليات ضد إيران، معتبرين نزاع أمريكيا غير مرتبط بالدفاع الجماعي بموجب المادة 5 من معاهدة الناتو، وقد أدى ذلك إلى إعادة تموضع أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية (مثل باتريوت وثاد) من أوروبا إلى الشرق الأوسط، مما يضعف الجناح الشرقي للحلف أمام روسيا، وفي المقابل، يطالب ترامب الحلفاء بـ«القتال من أجل أنفسهم»، والحصول على نفطهم بأنفسهم، معتبرا أن الناتو أصبح «شارعا باتجاه واحد»، هذا الخلاف يعمق الانقسام داخل الحلف، وقد دفع قادة بريطانيا وإسبانيا إلى اقتراح ترتيبات أمنية «ما بعد أمريكية»، فيما يخطط الأمين العام للناتو مارك روته للقاء ترامب لتهدئة التوتر.

تحول استراتيجي خطير في العلاقات عبر الأطلسي

تحليليا، يمثل هذا النزاع تحولا استراتيجيا خطيرا في العلاقات عبر الأطلسي، إذ يضعف الناتو – الذي أسس عام 1949 تحت قيادة أمريكية واستدعيت مادته الدفاعية الجماعية مرة واحدة فقط بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 – في وقت يشهد فيه العالم تصاعد التوترات مع روسيا والصين، فالانسحاب أو التقليص الأمريكي قد يشجع موسكو على المزيد من العدوان في أوروبا الشرقية، خاصة إذا سقطت أوكرانيا، بينما يدفع أوروبا نحو بناء قدرات دفاعية مستقلة باهظة التكلفة، ومع ذلك، يظل الالتزام الأمريكي عميقا، إذ يشغل أمريكيون مناصب قيادية رئيسية في الحلف، ويواجه أي تقليص مقاومة من الكونجرس والرأي العام. في النهاية، قد تكون التهديدات أداة ضغط لإجبار الحلفاء على زيادة الإنفاق الدفاعي (كما حدث في قمة 2025)، لكنها تخاطر بتقويض الاستقرار العالمي الذي اعتمد على الناتو منذ 77 عاما.