< "السيناريو الكابوسي".. باب المندب يتحول إلى "خنجر في خاصرة التجارة العالمية"
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

"السيناريو الكابوسي".. باب المندب يتحول إلى "خنجر في خاصرة التجارة العالمية"

الرئيس نيوز

لم يكد العالم يستوعب صدمة تقييد الملاحة في مضيق هرمز، حتى بدأت أنظار المحللين والمخططين العسكريين تتجه غربا نحو نقطة اختناق أخرى لا تقل خطورة هي مضيق باب المندب، البوابة الجنوبية للبحر الأحمر التي تربط المحيط الهندي بقناة السويس. فإذا كان هرمز يمثل القفل الشرقي على صادرات الخليج النفطية، فإن باب المندب هو القفل الغربي على طريق وصولها إلى أوروبا والعالم، وكلاهما معا يشكلان شريانا واحدا لا تحتمل الحضارة الحديثة انقطاعه. وقد بات هذا الممر، الذي يعرف تاريخيا بـ"بوابة الدموع"، اليوم ساحة مواجهة جيوسياسية حقيقية قد تُعيد رسم خريطة التجارة الدولية من أساسها، وفقا لقناة فرانس 24.

جغرافيا الخطر.. 32 كيلومترًا تحمل ثقل العالم

لا يتجاوز عرض مضيق باب المندب عند أضيق نقاطه 32 كيلومترًا، يفصل فيها اليمن عن جيبوتي وإريتريا في القرن الأفريقي. غير أن هذه المسافة الضيقة تحمل على ظهرها نحو 12% من تجارة النفط العالمية المنقولة بحرًا، إضافة إلى الغاز الطبيعي المسال وحاويات البضائع التي تربط آسيا بأوروبا، وفقا لقناة تي آر تي وورلد.

وذكر موقع ميدل إيست مونيتور أن أي اضطراب في هذا الممر يعني شلل الملاحة بين قارتين، ويضع قناة السويس ومصر في قلب الأزمة مباشرةً، نظرًا لاعتمادها الجوهري على تدفق السفن عبر البحر الأحمر. 

وأضاف أن المعادلة بسيطة رغم ما يبدو من التعقيد، فمضيق هرمز وباب المندب ليسا جارين جغرافيين فحسب، بل نقطتا اختناق متتاليتان على الشريان ذاته؛ فإذا أغلق هرمز عجز النفط عن مغادرة الخليج، وإذا أغلق باب المندب عجز عن بلوغ أوروبا، وإذا أغلق الاثنان معًا انقطع الطريق من أوله إلى آخره.

التهديد المزدوج: هرمز يشتعل وباب المندب على الأعتاب

وبدأت إيران فعليًا بتقييد الملاحة في مضيق هرمز في سياق الحرب المتصاعدة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو ما أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط واضطراب واسع في الأسواق العالمية. وبالتوازي مع ذلك، أعلن الحوثيون المدعومون من طهران استعدادهم لاستهداف السفن في باب المندب، مؤكدين أن إغلاق المضيق ضمن خياراتهم العملياتية المطروحة، وهو ما يضاعف المخاطر على التجارة الدولية.

وتؤكد تقارير فرانس 24 ووكالة الأناضول أن المضيق قد يتحول إلى نقطة خنق ثانية كاملة بعد هرمز، في ما وصفه تقرير آسيا تايمز بـ"الخنجر في خاصرة التجارة العالمية" إذا ما استمرت الهجمات على السفن وتصاعدت وتيرتها.

التكلفة الاقتصادية: أوروبا وآسيا ومصر في مواجهة الأزمة

وذكرت صحيفة آسيا وان أن إغلاق هرمز وحده كفيل برفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية غير مسبوقة، لكن تعطيل باب المندب في الوقت ذاته قد يضاعف الأزمة وبحولها إلى كارثة اقتصادية متكاملة. 

ويتوقع أن تواجه أوروبا وآسيا صعوبات جسيمة في الحصول على الطاقة والسلع الأساسية، فيما ستتأثر مصر بشكل مباشر وفوري من انخفاض حركة السفن المتجهة إلى قناة السويس، ما ينعكس على إيراداتها القومية التي تعتمد على رسوم العبور اعتمادا كبيرًا، وفقا لقناة فرانس 24.

أما البديل اللوجستي المتاح لشركات الشحن، فهو الإبحار حول رأس الرجاء الصالح، وهو مسار يضيف ما بين 10 و15 يوما على الرحلة الواحدة، ويستهلك كميات وقود إضافية ضخمة، ويلقي بأعباء تشغيلية مضاعفة على أسطول الشحن العالمي الذي يجد نفسه بين خيارَيْ الخطر والتكلفة. 

"سيناريو كابوسي": ثلاثة مسارات أمام مضيق مشتعل

ويرسم المحللون ثلاثة سيناريوهات محتملة لمآل الأزمة: الأول هو الإغلاق الجزئي عبر هجمات متقطعة تؤدي إلى تعطيل مؤقت للملاحة دون إيقافها الكامل. والثاني هو الإغلاق الكامل الذي يُحوِّل السفن قسرًا نحو طرق أطول وأكثر تكلفة تُرهق سلاسل التوريد العالمية. أما الثالث والأكثر احتمالًا في حال استمر التصعيد، فهو التدخل الدولي عبر تحرك القوى الكبرى لتأمين المضيق بعمليات عسكرية مشتركة، وهو مسار مكلف سياسيًا وعسكريًا لكنه قد يكون الخيار الأخير. 

ووصفت إليزابيث كيندال، المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط ورئيسة كلية جيرتون بجامعة كامبريدج، السيناريو المزدوج بأنه "كابوس حقيقي"، مضيفةً أن اجتماع قيود هرمز مع تصاعد التهديدات في باب المندب قد يفضي إلى اضطراب شامل، إن لم يكن شللًا تامًا للتجارة باتجاه أوروبا.

وتحول باب المندب إلى ساحة مواجهة استراتيجية تحمل طهران وحلفاؤها مفاتيحها، في حرب تعاد فيها رسم خرائط التجارة العالمية بالنار والتهديد. واستمرار التصعيد قد يجعل من هذا المضيق الضيق أحد أخطر نقاط الاختناق في القرن الحادي والعشرين، مما يستدعي تحركا دوليا عاجلا لتأمينه قبل أن يغلق المضيق الحيوي أمام العالم كله.