توني بلير: "التحالف الأثيم" يمنح شرعية لخطاب التطرف ويمزق النسيج الغربي
في مقاله الذي نشرته صحيفة "صنداي تايمز"، أمس السبت، وجه رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، توني بلير، انتقادات حادة للتوجهات الراهنة لقطاعات واسعة من التيار اليساري، محذرًا من تداعيات ما وصفه بـ "التحالف الأثيم" مع قوى الإسلام السياسي.
واستهل بلير مقاله ببيان تحذيري شديد اللهجة، دعا فيه إلى ضرورة وضع حد لما أسماه "التحالف الأثيم" بين فصائل من التيار اليساري وجماعات الإسلام السياسي.
ويرى بلير أن هذا التلاقي ليس مجرد تعاون سياسي عابر، بل هو تشوه بنيوي في الفكر اليساري الحديث، حيث تخلت بعض أطرافه عن قيمها الليبرالية والتقدمية التقليدية لصالح التقارب مع أيديولوجيات دينية راديكالية تتناقض جوهريًا مع مبادئ الحرية والمساواة.
وأشار بلير بمرارة إلى أن أجزاءً من اليسار باتت تتبنى خطابًا خطيرًا يختزل المجتمعات اليهودية في قوالب نمطية، حيث يتم تصويرهم حصريًا كأدوات أو داعمين غير مشروطين لسياسات دولة إسرائيل. هذا الخلط المتعمد – من وجهة نظره – أدى إلى انزلاق أخلاقي جعل من اليهود كأفراد وكجماعات "هدفًا مشروعًا" (Fair Game) للنقد والتهجم، متجاوزًا حدود المعارضة السياسية المشروعة ليدخل في نطاق استهداف الهوية، مما يغذي مشاعر معاداة السامية تحت ستار النشاط السياسي.
وحذر المقال من أن هذا التوجه لا يهدد السلم المجتمعي فحسب، بل يمنح شرعية غير مستحقة لخطاب التطرف الذي يسعى لتمزيق النسيج الاجتماعي الغربي.
وأوضح بلير رؤيته بمطالبة قادة اليسار والمثقفين بضرورة استعادة التوازن، مؤكدًا أن الدفاع عن الحقوق والعدالة لا ينبغي أن يمر عبر بوابة التحالف مع قوى معادية للقيم الديمقراطية، أو عبر التضحية بأمن وكرامة الأقليات الدينية، وعلى رأسها المجتمع اليهودي الذي يجد نفسه، وفقا للمقال، اليوم في قلب عاصفة سياسية غير مسبوقة.
التداعيات السياسية والأخلاقية
ويرى بلير أن هذا "التحالف غير المقدس" يمثل انحرافًا استراتيجيًا يُفقد اليسار قدرته على التأثير في صياغة سياسات دولية عقلانية؛ فعندما يتبنى اليسار خطابًا يقترب في جوهره من أطروحات قوى الإسلام السياسي المتشددة، فإنه يُضعف موقفه الأخلاقي أمام الرأي العام. بالنسبة لبلير، لا تكمن المشكلة في نقد إسرائيل بذاتها، بل في تحويل هذا النقد إلى منصة لاحتضان قوى تتبنى أجندات إقصائية لا تؤمن بالديمقراطية التعددية، مما يجعل اليسار رهينة لخطاب شعبوي يغذي الاستقطاب بدلًا من تقديم حلول سياسية مستدامة للصراعات الإقليمية.
المسؤولية التاريخية وضرورة المراجعة
وأكد رئيس الوزراء البريطاني الأسبق أن هناك مسؤولية تاريخية تقع على عاتق التيارات التقدمية اليوم لإجراء "مراجعة نقدية" حادة لمساراتها. فالتغاضي عن تغلغل المفاهيم المعادية للسامية تحت مسميات "النشاط التحرري" هو خيانة للقيم التنويرية التي قام عليها اليسار في الأصل.
واختتم بلير برؤية مفادها أن استعادة المصداقية تتطلب من اليسار شجاعة سياسية لفصل أجنداته عن أي قوى تستخدم العداء لليهود كأداة للتحشيد، والعودة إلى تبني رؤية إنسانية شاملة تحمي الحقوق الفردية والجمعية دون تمييز أو انحياز أعمى لأيديولوجيات متطرفة.