تحذير غير مسبوق.. واشنطن تدعو السفن الأمريكية للإبحار “في الظلام” بالبحر الأحمر
في تطور يعكس خطورة الوضع الأمني في الممرات البحرية الحيوية، حذّرت الولايات المتحدة شركات الشحن من أن تهديد جماعة الحوثيين في اليمن لا يزال قائمًا في البحر الأحمر وخليج عدن، رغم تراجع الهجمات مؤخرًا.
ودعت السفن الأمريكية إلى اتخاذ خطوة غير تقليدية تتمثل في إيقاف أنظمة التتبع، في محاولة لتقليل فرص استهدافها.
إشارات السفن تتحول إلى نقطة ضعف
في توجيهات حديثة، أوضحت الإدارة البحرية الأمريكية أن السفن التي ترفع العلم الأمريكي وتبحر عبر جنوب البحر الأحمر، ومضيق باب المندب، وخليج عدن، وبحر العرب، وحوض الصومال، تواجه خطرًا متزايدًا، خاصة إذا كانت إشاراتها الإلكترونية قابلة للرصد.
ويُعد هذا التحذير من أوضح المؤشرات حتى الآن على أن أنظمة التعريف الآلي (AIS) تُستغل فعليًا من قبل جهات معادية لتحديد مواقع السفن واستهدافها، لذلك طُلب من السفن النظر في إيقاف هذه الأنظمة أثناء الإبحار في المناطق عالية الخطورة، شريطة ألا يؤثر ذلك على سلامة الملاحة.
ورغم أن بعض السفن تعرّضت لهجمات سواء كانت هذه الأنظمة مفعلة أو معطّلة، فإن إيقافها قد يصعّب عملية تعقب السفن واستهدافها بدقة.
مخاطر تتجاوز أنظمة التتبع
لم يقتصر التحذير على نظام AIS، بل امتد ليشمل أنظمة أخرى على متن السفن، مثل شبكات الإنترنت اللاسلكية (Wi-Fi)، وأنظمة بيانات الشحن، وأدوات الطقس، التي قد تكشف موقع السفينة بشكل غير مباشر.
كما دعت التوجيهات إلى خفض الانبعاثات الإلكترونية قدر الإمكان، وتغيير المسارات والسرعات، وتجنب تكرار أنماط الرحلات التي قد تجعل السفن أهدافًا سهلة يمكن التنبؤ بها.
التهديد مستمر رغم تراجع الهجمات
ورغم عدم تسجيل هجمات مؤكدة على السفن التجارية منذ وقف إطلاق النار بين إسرائيل وغزة في أكتوبر 2025، شددت الإدارة البحرية الأمريكية على أن الحوثيين لا يزالون يشكلون تهديدًا حقيقيًا.
فخلال الفترة من أواخر 2023 حتى أكتوبر 2025، نفذت الجماعة أكثر من 100 هجوم استهدف سفنًا تجارية من أكثر من 60 دولة، وقد بلغ التصعيد ذروته في منتصف 2025، عندما أُغرقت سفينتان لنقل البضائع السائبة في جنوب البحر الأحمر، ما أسفر عن سقوط قتلى بين البحارة.
كما أظهرت الجماعة قدرات متنوعة شملت الطائرات المسيّرة الانتحارية، والصواريخ المضادة للسفن، والزوارق المتفجرة، ومحاولات الصعود على متن السفن.
من الأكثر عرضة للخطر؟
بحسب التحذيرات، فإن السفن المرتبطة بالولايات المتحدة أو المملكة المتحدة أو إسرائيل تواجه أعلى درجات الخطر، غير أن التهديد لا يقتصر على جنسية السفينة، إذ قد تصبح السفن أهدافًا بسبب ملكيتها، أو عقود تشغيلها، أو حتى زياراتها السابقة لموانئ إسرائيلية، ما يوسع نطاق المخاطر بشكل كبير.
كما تم التنبيه إلى أساليب خداع، مثل تلقي اتصالات من جهات تنتحل صفة سلطات يمنية، تحاول تغيير مسار السفن أو طلب معلومات عن رحلاتها أو مطالبتها بتشغيل أنظمة التتبع. وقد طُلب من البحارة تجاهل هذه التعليمات والاستمرار في رحلاتهم ما لم تتعرض سلامتهم للخطر.
إجراءات تشغيلية مشددة
دعت التوجيهات السفن إلى الحفاظ على أكبر مسافة ممكنة من السواحل اليمنية، وزيادة اليقظة، واتخاذ الحيطة خاصة عند الإبحار بسرعات منخفضة أو أثناء التوقف.
كما يُنصح الطاقم بالانتقال إلى مناطق محمية داخل السفينة عند الاشتباه بتهديد من طائرات مسيّرة أو صواريخ أو زوارق صغيرة.
وأكدت التوصيات أهمية التنسيق مع القوات البحرية الأمريكية في المنطقة، وكذلك الإبلاغ إلى هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، التي توفر تحديثات آنية حول التهديدات. وفي حال إيقاف أنظمة التتبع، يُطلب من السفن إرسال تحديثات دورية عن مواقعها مباشرة إلى الجهات المختصة.
تأتي هذه التحذيرات لتؤكد هشاشة أحد أهم الممرات البحرية في العالم. فمضيق باب المندب، الذي لا يتجاوز عرضه 18 ميلًا في أضيق نقاطه، يُعد بوابة جنوبية للبحر الأحمر وشريانًا رئيسيًا للتجارة العالمية بين آسيا وأوروبا.
ومع استمرار التهديدات، يظل هذا الممر الحيوي عرضة لمخاطر قد تؤثر مباشرة على حركة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن قطاع الشحن البحري دخل مرحلة جديدة؛ لم يعد التحدي فيها يقتصر على عبور البحار، بل بات يشمل أيضًا كيفية تقليل الظهور أثناء الإبحار، واتباع استراتيجيات تحاكي “التخفي الملاحي” لضمان العبور بأكبر قدر ممكن من الأمان.