< من تهديد إيران إلى مفاوضات مثمرة: السر وراء التحول المفاجئ لموقف ترامب
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

من تهديد إيران إلى مفاوضات مثمرة: السر وراء التحول المفاجئ لموقف ترامب

الرئيس نيوز

بينما غادر دونالد ترامب البيت الأبيض متوجهًا إلى فلوريدا للاسترخاء في عطلة نهاية الأسبوع، توقف لحظة أمام الحديقة الجنوبية، والمروحية تنتظره، وأطلق حكمه بصوت قاطع: "لا يمكن التوصل إلى وقف لإطلاق النار وأنت تبيد الطرف الآخر تمامًا". لم يكن إنهاء الحرب مع إيران في قائمة أولوياته تلك الليلة.
 

إلا أنه بعد ثلاثة أيام فحسب، وقف أمام حشد في مدينة ممفيس بولاية تينيسي وقال بثقة المفاوض المنتصر: "إنهم يريدون التسوية، وسننجز الأمر "، فما الذي جرى في تلك الساعات الاثنتي والسبعين؟


الإنذار الذي أفزع الحلفاء قبل الأعداء


كانت جهود ترامب لإعادة فتح مضيق هرمز قد باءت بالفشل الواضح. المضيق الذي يمر عبره نحو 20% من نفط العالم لا يزال مغلقًا. والصبر قد نفد. فأطلق على منصة تروث سوشيال إنذاره النهائي: 48 ساعة، وإلا "تدمير" محطات الطاقة الإيرانية. ووفقا لشبكة سي إن إن، لم يكن أحد على يقين: هل قصد ترامب خطاب ضغط تفاوضي أم عتبة حرب حقيقية؟ 

 

ولكن في عواصم الخليج، بدأت الهواتف ترن في الظلام. حلفاء واشنطن الأكثر قربًا سارعوا إلى تحذير الإدارة الأمريكية بأن استهداف مواقع الطاقة المدنية في إيران من شأنه أن يشكل تصعيدًا كارثيًا. وأكدت إيران من جانبها أنها لن تقف مكتوفة الأيدي؛ أما الحرس الثوري أعلن صراحةً: "إذا استهدفتم الكهرباء فسنرد بالمثل"، مهددًا بضرب محطات تحلية المياه في دول الخليج التي تعتمد عليها شعوب بأسرها للحصول على المياه العذبة. بعض شركاء واشنطن أضافوا حجة اقتصادية: تدمير البنية التحتية للطاقة الإيرانية سيعيق جهود إعادة الإعمار مهما كان من انتهت الحرب لصالحه.


التوقيت الذي يكشف كل شيء
ثمة تفصيل صغير يختصر الصورة الكبيرة. أعلن ترامب عن المحادثات وتأجيل الضربات في الصباح الباكر يوم الاثنين، قُبيل افتتاح التداول في وول ستريت بساعتين بالضبط. النتيجة جاءت فورية: فأخذت أسهم ترتفع، وخام برنت ينخفض بحدة. 

وفي وسط هذا الغليان، كانت أسواق الطاقة المتصاعدة تقض مضجع ترامب ومستشاريه. التوقيت لم يكن مصادفة؛ فأنماط ترامب في إطلاق إعلاناته الكبرى، من رسوم "يوم التحرير" إلى قرارات التعريفات الجمركية، تكشف نمطًا ثابتًا ويتلخص في أن الأسواق دائمًا في الحسبان.


وراء الكواليس: شبكة وسطاء متشعبة
وفقًا لخمسة مصادر مطلعة أكدت الشبكة الإخبارية الأمريكية، أن دول عديدة تعمل بنشاط محموم خلف الكواليس للتوسط بين واشنطن وطهران. باكستان وتركيا ومصر وسلطنة عمان، كلها انخرطت في شبكة دبلوماسية متشعبة تستهدف وقف إطلاق النار وتأمين ممر ملاحي آمن في مضيق هرمز.
 

ولفتت سي إن إن إلى أن باكستان كانت المحور الأبرز. إسلام آباد تشترك في حدود طويلة مع إيران وتستورد نحو 90% من نفطها عبر مضيق هرمز، ما يجعلها طرفًا مباشرًا في الأزمة لا مجرد وسيط نظري. وطورت علاقة متينة مع إدارة ترامب خلال العام الماضي. ومن الجانب الباكستاني، يضطلع رئيس الاستخبارات عاصم مالك شخصيًا بدور التواصل مع مبعوثي ترامب ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. وعندما سألته سي إن إن عن احتمال استضافة إسلام آباد للمحادثات، كان رد المتحدث باسم وزارة الخارجية الباكستاني طاهر حسين أندرابي واضحًا وفوريًا: "إذا وافق الجانبان، فإن باكستان مستعدة دائمًا لاستضافة المحادثات".
 

على الخط التركي، أجرى وزير الخارجية هاكان فيدان سلسلة اتصالات هاتفية يوم الأحد، تحدث خلالها مع وزير الخارجية الإيراني عراقجي، ونظيره المصري بدر عبد العاطي، ثم مع ويتكوف مباشرة. أما العمانيون، فكانوا يتبادلون رسائل بين واشنطن وطهران بشأن الملاحة في هرمز تحديدًا، مستعيدين دورهم التاريخي الذي كانوا فيه قناة التواصل السري التي أرست أُسُس الاتفاق النووي عام 2012.
 

قائمة الـ15 بندًا: المطالب التي يصفها مصدر بـ"شبه المستحيلة"
نقلت الولايات المتحدة عبر باكستان قائمة مكوّنة من 15 بندًا تتضمن توقعاتها من إيران. لم يتضح بعد ما إذا كانت طهران قد وافقت على أيٍّ منها. وصف أحد المصادر الإقليمية عددًا من البنود بأنها "شبه مستحيلة" على إيران قبولها، فيما أشار مصدر آخر إلى أنها تعكس بنودا مماثلة لما طرحته واشنطن قبل اندلاع الحرب، أي أن واشنطن لا تقدم تنازلات جوهرية.


روى ترامب أمس الاثنين ما اعتبره "نقاط الاتفاق الرئيسية"، وكشف عن بعض محتوى القائمة: "لن يمتلكوا سلاحًا نوويًا، هذا هو البند الأول والثاني والثالث". وأضاف أن واشنطن ستصر على استعادة اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب المدفون في أعماق موقع أصفهان النووي الذي دمرته الولايات المتحدة في يونيو الماضي: "نريد اليورانيوم، وأعتقد أننا سنحصل عليه". إلى جانب ذلك: فرض قيود على القدرات الدفاعية الإيرانية، ووقف دعم الوكلاء، والاعتراف بحق إسرائيل في الوجود.
 

الرجل الغامض: "لا أريده أن يُقتَل"
حين سئل ترامب عن هوية المسؤول الإيراني الذي تواصل معه مبعوثوه، رفض الإجابة بصراحة مثيرة: "لا أريده أن يقتل". لم يضف سوى أنه "شخصية مرموقة". ترددت شائعات واسعة بأن المقصود هو رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، الجنرال السابق في الحرس الثوري والعمدة السابق لطهران. لكن قاليباف لم يصمت؛ كتب على منصة X بنفسه: "لم تجر أي مفاوضات مع الولايات المتحدة"، واصفًا تأجيل ضربات محطات الطاقة بأنه مناورة أمريكية للـ"خروج من المأزق الذي وقعت فيه الولايات المتحدة وإسرائيل". غير أن سي إن إن  لفتت إلى أن النفي صيغ بعناية دقيقة: لم ينكر تبادل الرسائل، ولم ينفي إمكانية استئناف الحوار.
 

إسرائيل: بين الأهداف المتباينة وضرورة الإطلاع
 

لم يكن نتنياهو بعيدًا عن المشهد. تحدث كل من ترامب وفانس هاتفيًا مع رئيس الوزراء الإسرائيلي يوم الاثنين، حرصًا على إبقائه في الصورة. وقال نتنياهو لاحقًا إن ترامب "يعتقد أن هناك فرصة" لتحويل المكاسب العسكرية إلى اتفاق يحمي المصالح الإسرائيلية الحيوية. لكن الحقيقة التي يُدركها الجميع هي أن الأهداف الحربية بين واشنطن وتل أبيب باتت متباينة بشكل متصاعد في الأيام الأخيرة.
 

من يملك صلاحية قول "نعم" في طهران؟
يبقى هذا السؤال محور غموض جوهري في ضوء الوضع الصحي غير المؤكد للمرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي، وخبرته الدبلوماسية غير المؤكدة ما يثير تساؤلات حقيقية حول قدرته على اتخاذ قرار بحجم وقف الحرب. أما مستشار المرشد محسن رضائي، فقد وضح شرطه علنًا أمس الاثنين قائلا: "الحرب ستستمر حتى تحصل إيران على تعويضات كاملة عن الأضرار التي لحقت بها".
 

وقال ترامب نفسه بصراحة لافتة: "لم نتلق أي اتصال من خامنئي الابن". ومع ذلك، بدا متفائلًا وهو يختتم كلمته أمام جمهور ممفيس بجملة تحمل كل تناقضات هذه اللحظة: "حياتي كلها كانت عبارة عن مفاوضات. لكن مع إيران، نتفاوض منذ فترة طويلة. وهذه المرة، هم جادون".
ساعة الصفر اقتربت.