< تعارض الحرب.. لماذا تتحدى إسبانيا سياسة ترامب الخارجية؟
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

تعارض الحرب.. لماذا تتحدى إسبانيا سياسة ترامب الخارجية؟

الرئيس نيوز

في مواجهة تصاعد الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، اتخذت إسبانيا مسارًا مختلفًا تمامًا عن العديد من الدول الغربية. 

ولم تكتفِ حكومة بيدرو سانشيز برفض المشاركة في العمليات العسكرية، بل اتخذت أيضًا قرارات أدت إلى توترات دبلوماسية حادة مع واشنطن وتل أبيب. وكان جوهر هذه السياسة شعارًا واحدًا لا يزال يتردد صداه في الخطاب الإسباني: "لا للحرب"، وفقًا لمجلة "ديفنس 24".

وفي حين ترفض إسبانيا بوضوح سياسات طهران، فإنها تعارض في الوقت نفسه استخدام القوة العسكرية خارج إطار القانون الدولي. وعمليًا، يعني هذا تبنّي دور فاعل معياري وازن، لا ينحاز إلى أي طرف في الصراع بقدر ما يشكك في منطقه، وبالتالي يسهم بنشاط في تقويض رسالة واشنطن بشكل مباشر. وبهذا المعنى، لا يمثّل موقف مدريد حيادًا، بل محاولة جادة لإعادة تعريف مبادئ السياسة الأمنية.

ومع ذلك، لا يقتصر موقف مدريد على النقد الرمزي فحسب، بل يشمل إجراءات استراتيجية ملموسة يمكن أن يكون لها تأثير حقيقي في مسار الحرب، وكان من أبرز هذه الإجراءات منع استخدام القوات الأمريكية للقواعد العسكرية في روتا ومورون. 

وأكدت الحكومة أنه لا يمكن استخدام هذه القواعد في عمليات تقع خارج إطار الاتفاقيات الدولية أو ميثاق الأمم المتحدة، ما يعني رفض العملية برمتها باعتبارها غير قانونية، أو على الأقل مشكوكًا في شرعيتها. 

وفي الوقت نفسه، أوضحت إسبانيا أن عضويتها في حلف الناتو لا تعني بالضرورة دعمها لكل عملية عسكرية تبدأها الولايات المتحدة.

وكان لهذا القرار تداعيات فورية، إذ أدى إلى صدام مباشر مع إدارة دونالد ترامب، التي هددت إسبانيا بفرض عقوبات اقتصادية. 

وفي المقابل، لاقت السياسة الخارجية الحالية لحكومة بيدرو سانشيز—التي كانت تحظى حتى وقت قريب بتأييد شعبي منخفض نسبيًا—قبولًا واسعًا، ما يشير إلى أنها لا تعكس فقط حسابات النخب، بل توجهات اجتماعية أعمق.

القانون الدولي كحجة رئيسية

ينبثق قرار إسبانيا برفض دعم العملية الأمريكية-الإسرائيلية من عدة عوامل مترابطة، يعود بعضها إلى أحداث السنوات السابقة. فقد أكدت إسبانيا في أكثر من مناسبة أن العمليات ضد إيران أحادية الجانب بطبيعتها، وتفتقر إلى تفويض دولي مناسب. 

كما طرحت حكومة مدريد رؤيتها باستمرار، ومفادها أن العمليات العسكرية التي تُنفّذ خارج مؤسسات الأمم المتحدة لا يمكن أن يشكّل حلف الناتو أو الاتحاد الأوروبي أساسًا لشرعنتها ضمن النظام الدولي.

كما دعا رئيس الوزراء سانشيز إلى إصلاح منظومة الأمم المتحدة، بما في ذلك إلغاء حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن، لجعله أكثر تمثيلًا وأقل عرضة لضغوط الدول الخمس الكبرى. 

وفي الوقت نفسه، انتقد روسيا والولايات المتحدة لبقائهما عضوين دائمين في مجلس الأمن، رغم أنهما—في رأيه—"تسهمان في زعزعة استقرار العالم بشكل كبير من خلال الحربين في أوكرانيا وإيران".

ونتيجة لذلك، خلص صانعو السياسة الإسبان إلى أن استخدام القواعد العسكرية لدعم الهجمات على إيران يتعارض مع الالتزامات القانونية القائمة، ويتماشى هذا الرأي مع رؤية إسبانيا الأوسع للسياسة الخارجية، التي تشدد على التعددية والحلول الدبلوماسية، مع تجنّب المواقف التي يؤدي فيها الرد على عمل غير قانوني بعمل آخر إلى مزيد من زعزعة الاستقرار.

التوترات مع إسرائيل

لا يمكن تحليل الموقف من إيران بمعزل عن التوترات الدبلوماسية السابقة بين إسبانيا وإسرائيل، فضلًا عن تاريخ علاقاتهما الثنائية. فعلى مدار سنوات، انتقدت مدريد باستمرار تصرفات إسرائيل في قطاع غزة، معتبرة إياها انتهاكًا للقانون الإنساني الدولي واستخدامًا غير متناسب للقوة ضد المدنيين.

وحافظ الائتلاف الحاكم اليساري على دعمه القوي للفلسطينيين، معترفًا بدولة فلسطين في مايو 2024، ومؤيدًا الدعاوى القضائية ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، ومقيدًا صادرات الأسلحة. 

ويحظى هذا الموقف حاليًا بتأييد شعبي واسع، إذ تؤيد أغلبية الإسبان الاعتراف بفلسطين وحل الدولتين، في حين يتزايد انتقاد ممارسات إسرائيل في دول أخرى.

ويعود هذا التوجه جزئيًا إلى حقبة فرانكو، حين أقامت إسبانيا—المعزولة أوروبيًا آنذاك—علاقات وثيقة مع الدول العربية، ما أفضى إلى روابط سياسية وثقافية راسخة. كما أن إسبانيا، بخلاف العديد من الدول الأوروبية، تأخرت في الاعتراف بإسرائيل (حتى عام 1986)، وهو ما أسهم في تشكيل رؤيتها الخاصة.

وفي سياق الحرب مع إيران، ازدادت حدة الاستقطاب السياسي. إذ تنظر مدريد إلى تحركات الولايات المتحدة وإسرائيل كجزء من مشكلة أوسع تتعلق بالأحادية وانتهاك الأعراف الدولية، وهو ما يتعارض مع سياستها القائمة على القانون الدولي وحق الشعوب في تقرير مصيرها. 

وبناءً على ذلك، اتخذت إسبانيا سلسلة من الإجراءات، من بينها الحد من التعاون العسكري، وحظر نقل الأسلحة عبر أراضيها، وسحب سفيرها من تل أبيب.

درس العراق

من العوامل المؤثرة أيضًا التجربة التاريخية، إذ يستشهد سانشيز مرارًا بحرب العراق عام 2003، معتبرًا أن مثل هذه التدخلات تؤدي إلى زعزعة الاستقرار وتفاقم الإرهاب والأزمات الاقتصادية والاجتماعية. ويرى أن الصراع مع إيران يحمل مخاطر مشابهة، في ظل غياب أهداف واضحة واحتمالات التصعيد غير المحسوب.

هذا المنظور يعزز رسالة الحكومة: إسبانيا لا ترغب في الانخراط مجددًا في صراع قد يسبب فوضى تفوق ما يحققه من أمن. كما أسهمت هذه الرؤية، إلى جانب المزاج الشعبي المناهض للحرب، في تعزيز شعبية سانشيز.

إسبانيا في السياق الأوروبي: استثناء أم بداية اتجاه؟

تتميز إسبانيا بموقف أكثر حزمًا مقارنة بدول أوروبية أخرى، إذ تعارض التصعيد بشكل واضح وتؤكد أن عضوية الناتو لا تعني دعمًا غير مشروط. ومع ذلك، يكشف موقفها أيضًا عن توترات داخل الاتحاد الأوروبي، حيث تميل بعض الدول إلى الحذر أو الدعم غير المباشر.

وفي المجمل، يتجه الموقف الأوروبي نحو "عدم المشاركة مع النقد الحذر"، بدلًا من الدعم الكامل للحرب. ورغم أن إسبانيا ليست الوحيدة في هذا الاتجاه، فإنها تبقى الأكثر صراحة في رفضها.

لا تعني معارضة إسبانيا لسياسات الولايات المتحدة وإسرائيل رفض التحالفات، بل محاولة لإعادة تعريفها. فهي تتبنى نموذجًا قائمًا على الدبلوماسية والتعددية وخفض التصعيد، مع السعي لتعزيز استقلالية القرار الأوروبي. ومع ذلك، يرى بعض المراقبين أن هذا النهج قد يضعف الردع ويشجع القوى المنافسة على التصرف بجرأة أكبر.