آثار بيئية خطيرة.. دمار الحرب في غزة ينتشر عبر مياه البحر الأبيض المتوسط
بات البحر المتوسط يحمل جراح غزة إلى العالم. فعلى مدى قرون متعاقبة، كان هذا البحر شريان الحياة لسكان الساحل الفلسطيني؛ يمدّهم بالغذاء والرزق، ويمنحهم فضاءً للراحة والبهجة، بل إن نقشة الكوفية الفلسطينية التقليدية يُقال إنها تجسّد شبكة الصياد، في إشارة إلى عمق هذا الترابط بين الإنسان والبحر عبر الأجيال، غير أن الحرب الإسرائيلية على غزة لم تدمّر هذه العلاقة فحسب، بل حوّلت البحر نفسه إلى ناقل صامت للكارثة، يحمل ملوّثاتها من شاطئ إلى آخر، ومن حدود إلى أخرى.
ووفقًا لمجلة "بروجرسيف" الأمريكية، تتدفّق الملوّثات الناجمة عن المواد الكيميائية للذخائر والمياه العادمة المنبثقة من البنية التحتية المدمّرة من البر إلى البحر، لتصل عبر التيارات البحرية إلى شواطئ إسرائيل وتركيا وقبرص ودول متوسطية أخرى.
ودفع ذلك منظمات حقوقية، مثل "كوديبينك" و"مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية"، إلى جانب مجموعة الرصد "فورنزيك أركيتكتشر"، إلى المطالبة منذ عام 2024 بتصنيف ما يجري ليس جريمة إبادة جماعية فحسب، بل "إبادة بيئية" أيضًا، أي الإلحاق المتعمّد والجسيم بالبيئة.
محوٌ منهجي لمقومات الحياة البحرية
تشير تقارير منظمة "غيشا" الإسرائيلية غير الحكومية إلى أن الهجمات الإسرائيلية دمّرت قوارب الصيد والبنية التحتية الساحلية في غزة تدميرًا واسعًا.
وبينما كان الصيد مسموحًا به ضمن نطاق بحري محدود قبل الحرب، رغم الحصار المفروض منذ عام 2007، فإن أي وجود في البحر بات اليوم محظورًا كليًا.
والأشد مرارة أن القوات الإسرائيلية أطلقت النار على الصيادين القلائل الذين حاولوا اصطياد ما تيسّر في المياه الضحلة، ما أسفر عن مقتل بعضهم. ومع انعدام مصادر الغذاء، اضطر السكان إلى أكل السلاحف البحرية المهدّدة بالانقراض لسدّ الرمق.
أنهار من الصرف الصحي تصب في المتوسط
لا يتوقف الأمر عند الدمار المباشر، إذ تحوّل البحر المتوسط إلى مصبّ لمياه الصرف الصحي الخام نتيجة تدمير البنية التحتية لمعالجة المياه في القطاع. توضّح نادا مجدلاني، مديرة منظمة "إيكوبيس ميدل إيست"، أن "المياه العادمة تتجمع في برك أو تسلك مجاريها نحو وادي غزة لتنتهي حتمًا في البحر المتوسط"، مشيرةً إلى أن "جميع محطات معالجة مياه الصرف الصحي الست أُبلغ عن تضررها بالكامل، إضافة إلى المضخات كافة".
ورُصدت في هذه المياه العادمة بكتيريا وفيروسات خطيرة، من بينها شلل الأطفال. كما أفادت منظمة "أطباء بلا حدود" بأن إسرائيل تعرقل إصلاح محطات تحلية المياه المتضررة في غزة، فيما لوّثت مياه الصرف الصحي المياه الجوفية وخزانات مياه الشرب.
وبما أن فلسطين وإسرائيل وسائر دول المنطقة تعتمد على تحلية مياه البحر لتأمين احتياجاتها، فإن تلوّث مياه البحر يعني، بالضرورة، تلوّث المياه التي تُضخّ للاستخدام البشري.
ركام سام يهدد قاع البحر
تتجاوز الأزمة البيئية نطاق المياه العادمة لتطال ما هو أشد خطورة، إذ تشير إيلين دوندرر، المتخصصة في مخاطر الكوارث، إلى أن "الركام والجسيمات المتكسّرة من المباني المدمّرة تحمل تركيزات عالية من المواد الكيميائية والمعادن الثقيلة"، فضلًا عن بقايا الأسلحة والقنابل غير المنفجرة التي تتسرّب ملوّثاتها إلى التربة قبل أن تشق طريقها إلى البحر.
والأدهى أن مسؤولًا فلسطينيًا، عُيّن بدعم أمريكي، اقترح دفع هذا الركام إلى البحر، بما يحتويه من مواد خطرة كالأسبستوس، كحل لمشكلة الأنقاض ووسيلة لخلق أراضٍ اصطناعية جديدة. غير أن دوندرر ترى أن هذا الركام قادر على "تسميم وخنق حدائق الإسفنج البحري ومروج الأعشاب البحرية التي تحمي الشواطئ من التآكل وتدعم الحياة البحرية".
لا حدود سياسية في الطبيعة
يلخّص مازن قمصية، مؤسس المعهد الفلسطيني للتنوع البيولوجي والاستدامة، المعضلة بعبارة جوهرية: "إنه بحر واحد، فتلوّث جزء منه سيطال سائر أجزائه. وإذا كان التلوث على البر، فسيصل إلى البحر"، ويذهب أبعد من ذلك بقوله إن "الحروب والنزاعات ليست مشكلة المناطق التي تقع فيها وحدها، بل هي مشكلة الكوكب بأسره".
وعلى صعيد المعالجة، تبقى إمكانية التقييم الشامل للأضرار مقيّدة بفعل تدمير المؤسسات البحثية في غزة. وتؤكد مجدلاني ضرورة "بلورة فهم إقليمي مشترك بأن البحر المتوسط وحوضه بأكمله على المحك"، داعيةً إلى تضافر الجهود وتشكيل شراكات إقليمية لإنقاذ ما تبقّى من هذا الإرث البيئي المشترك.