أستاذ التاريخ: كحك العيد تقليد قديم يجسد فرحة الأعياد|فيديو
أكدت الدكتورة ولاء محمد، أستاذ التاريخ الإسلامي والمحاضر الدولي، أن كحك العيد يُعد من أقدم مظاهر الاحتفال التي عرفها المصريون عبر التاريخ، موضحة أن جذوره تعود إلى الحضارة المصرية القديمة التي ازدهرت فيها صناعة المخبوزات واستخدمت في الطقوس الدينية والاحتفالات المختلفة.
كعك العيد.. جذور فرعونية
وأوضحت الدكتورة ولاء محمد، خلال لقائها في برنامج "صباح البلد" المذاع على قناة "صدى البلد"، أن المصريين القدماء كانوا من أوائل الشعوب التي برعت في صناعة الكعك والمخبوزات، حيث تشير الدراسات التاريخية إلى أنهم عرفوا أكثر من مائة نوع من المخبوزات المختلفة، وأن صناعة الكعك كانت جزءًا من الطقوس الاحتفالية في مصر القديمة، حيث كان يُعد خصيصًا في الأعياد والمناسبات الدينية، كما كان يُقدم ضمن القرابين في المعابد، ما يعكس مكانته الرمزية والاجتماعية في حياة المصريين القدماء.
وأشارت أستاذ التاريخ الإسلامي، إلى أن هذا التقليد استمر عبر القرون، وانتقل من الحضارة الفرعونية إلى المراحل التاريخية اللاحقة، ليصبح أحد أبرز مظاهر الاحتفال بالأعياد في المجتمع المصري حتى يومنا هذا، وأن هذا الاشتقاق اللغوي يعكس الارتباط الوثيق بين اللغة والتراث الغذائي المصري، حيث حافظت العديد من الكلمات المرتبطة بالطعام على جذورها التاريخية الممتدة عبر آلاف السنين.
أصل كلمة كحك
وتطرقت أستاذ التاريخ الإسلامي، إلى أصل كلمة "كحك"، موضحة أن جذورها تعود إلى اللغة القبطية، حيث اشتُقت من كلمة "عك" التي تعني العجن، وهي بدورها كلمة مشتقة من اللغة المصرية القديمة، وأن المصري القديم كان يمتلك مهارات متقدمة في إعداد المخبوزات، حيث كان يعتمد على مكونات بسيطة متوفرة في البيئة المصرية، مثل الدقيق والسمن والعسل، وذلك في ظل عدم معرفة السكر في تلك الفترة.
وأوضحت الدكتورة ولاء محمد، أن العسل كان يُستخدم كبديل طبيعي للتحلية، إلى جانب العجوة المصنوعة من التمر، وهو ما أضفى على الكعك طعمًا مميزًا ومختلفًا عما هو معروف اليوم، وأن الكعك في مصر القديمة لم يكن مجرد طعام احتفالي، بل كان يحمل أيضًا دلالات رمزية مرتبطة بالمعتقدات الدينية آنذاك، وأن الكعك كان يُصنع في شكل أقراص دائرية كبيرة ترمز إلى قرص الشمس، الذي كان يمثل أحد أهم الرموز الدينية المرتبطة بالإله "رع" في العقيدة المصرية القديمة.
رمزية قرص الشمس
وأضافت أستاذ التاريخ الإسلامي، أن المصريين القدماء كانوا يزينون الكعك بنقوش هندسية تشبه أشعة الشمس، وهو ما يعكس العلاقة الوثيقة بين الطعام والرموز الدينية في تلك الفترة، وأن هذه التفاصيل التاريخية موثقة على جدران بعض المقابر الفرعونية، ومن بينها مقبرة "رخ مي رع"، الذي كان يشغل منصب وزير الملك تحتمس الثالث في الأسرة الثامنة عشرة، حيث تظهر الرسومات مشاهد لصناعة الكعك والمخبوزات.
وأكدت أستاذ التاريخ الإسلامي، أن عادة صناعة الكعك لم تتوقف عند العصر الفرعوني، بل استمرت عبر العصور التاريخية المختلفة التي مرت بها مصر، وأن هذا التقليد انتقل إلى العصر القبطي ثم إلى العصر الإسلامي، حيث شهد تطورًا ملحوظًا في طرق تصنيعه ومكوناته، نتيجة التغيرات الاجتماعية والثقافية التي شهدها المجتمع المصري.
حكاية الكعكة الذهبية
وأشارت الدكتورة ولاء محمد، إلى أن صناعة الكعك ازدهرت بشكل واضح خلال العهدين الطولوني والإخشيدي، حيث اهتمت الدولة آنذاك بتقديمه في المناسبات والأعياد، ما ساهم في ترسيخ مكانته كرمز للاحتفال، منوهه إلى تقليد طريف ظهر في العصر الإخشيدي على يد الوزير أبو بكر المادرائي.
وأوضحت أستاذ التاريخ الإسلامي، أن الوزير ابتكر عادة وضع قطعة ذهبية داخل إحدى الكعكات، ثم كان يدعو رجال البلاط إلى تناول الكعك خلال الاحتفالات، ويقول لهم عبارة "أفطن إليه"، أي انتبهوا لما بداخل الكعكة، وأن هذا التقليد كان يضفي أجواء من المرح والتشويق خلال الاحتفالات، كما كان يعكس مظاهر الرفاهية التي شهدها البلاط في تلك الفترة.

تراث مستمر حتى اليوم
واختتمت الدكتورة ولاء محمد، بالتأكيد على أن كحك العيد يمثل جزءًا أصيلًا من التراث الثقافي المصري، حيث حافظ المصريون على هذه العادة عبر آلاف السنين رغم تغير العصور والظروف، وأن استمرار صناعة الكعك حتى اليوم يعكس قوة الذاكرة الثقافية للمجتمع المصري، وقدرته على الحفاظ على تقاليده التاريخية ونقلها من جيل إلى آخر، إذ أن كحك العيد لم يعد مجرد حلوى تقليدية تقدم في المناسبات، بل أصبح رمزًا للفرحة والاحتفال ولمّ شمل العائلات خلال الأعياد، وهو ما يجعل حضوره على موائد المصريين جزءًا لا يتجزأ من طقوس العيد وبهجته.