معهد كاتو الأمريكي: 5 أسباب لرفض استمرار تمويل الحرب في إيران
تحت عنوان "خمسة أسباب لرفض استمرار تمويل الحرب في إيران"، سلط معهد كاتو الأمريكي الضوء على الجدل الحاد الدائر في واشنطن بشأن طلب إدارة ترامب تخصيص خمسين مليار دولار إضافية لدعم العمليات العسكرية.
ولا يقتصر النقاش على حجم الأموال المرصودة، بل يتجاوزها ليطرح أسئلة جوهرية عن طبيعة الحرب نفسها، وأهدافها الغامضة، واستراتيجياتها غير المحددة، فضلا عن تداعياتها الاقتصادية والمالية التي قد تهدد مستقبل الولايات المتحدة كقوة عظمى. فغياب الأهداف الواضحة يجعل من أي إنفاق إضافي مقامرة غير محسوبة، ويضع الكونجرس أمام مسؤولية تاريخية في رفض تمويل حرب بلا ملامح ولا نهاية في الأفق.
ويشير المعهد إلى أن الاستراتيجية المتبعة أقرب إلى ما يسمى بـ"جز العشب"، أي ضربات متكررة لإضعاف القدرات العسكرية الإيرانية دون هدف نهائي محدد. لكن هذا النهج أخفق في تجارب سابقة، فتحولت التدخلات العسكرية إلى حروب مفتوحة، مثل الحرب على الإرهاب التي كلفت الولايات المتحدة أكثر من ثمانية تريليونات دولار.
ورجح أن تكرار السيناريو ذاته مع إيران يعني الدخول في دوامة إنفاق لا تنتهي، بنتائج استراتيجية محدودة أو معدومة، ما يثير تساؤلات جدية حول الحكمة من الاستمرار في هذا المسار.
عسكريا، تكشف الأرقام أزمة في الموارد والقدرات. فالصواريخ الاعتراضية مثل "ثاد"، التي يكلف أحدها أكثر من اثني عشر مليون دولار، تنتج بمعدل محدود لا يتجاوز اثنين وعشرين صاروخا سنويا.
ومع استخدام ما يقارب مئة وخمسين صاروخا في حرب قصيرة، فإن المخزون الاستراتيجي يتعرض لاستنزاف خطير، يستغرق سنوات لتعويضه؛ ما يعني أن أي تمويل إضافي لن يكون مجرد دعم مالي، بل هو تسريع لعملية استنزاف قدرات دفاعية يصعب تعويضها، مما يضع الأمن القومي الأمريكي في موقف أكثر هشاشة.
وماليا، فإن الاعتماد على التمويل الطارئ للحروب يعكس خللا في إدارة الميزانية العامة.
فالمفترض أن يكون هذا النوع من الإنفاق مخصصا للأزمات المفاجئة وغير المتوقعة، لا لحروب مخطط لها مسبقا. لكن الكونجرس استخدم هذه الآلية لتمويل ما يقارب خمس الإنفاق الدفاعي خلال العقدين الماضيين، وهو ما أدى إلى تراكم ديون هائلة وتراجع القدرة على ضبط الأولويات. إن تكرار هذا النهج مع إيران يعني تكريس سياسة مالية غير مسؤولة، تضعف الرقابة وتفتح الباب أمام مزيد من الهدر.
وتكمن الأزمة الأعمق في الاقتصاد الأمريكي نفسه، في ضوء أحدث بيانات النمو، فالعجز المالي تجاوز تريليوني دولار، والدين العام في طريقه لتجاوز حجم الاقتصاد الوطني بأكمله، بينما تكاليف خدمة الدين باتت تفوق الإنفاق الدفاعي.
وفي ظل هذه المعطيات، يصبح أي إنفاق إضافي على حرب جديدة ضربا من العبث المالي.
فالقوة العسكرية لا يمكن أن تستمر دون قاعدة اقتصادية متينة، وأي خلل في هذه المعادلة يهدد بانهيار شامل.
ومع ذلك، تستمر الإدارة في المطالبة بميزانيات دفاعية متضخمة، مثل مشروع ميزانية عام 2027 الذي يتجاوز تريليونا ونصف التريليون دولار، وهو ما يعكس انفصالا خطيرا بين الواقع الاقتصادي والسياسات المتبعة.
ويمكن مقارنة هذا الوضع بتجارب تاريخية مثل حرب فيتنام وحرب العراق. في فيتنام، أدى غياب الأهداف الواضحة إلى تورط الولايات المتحدة في حرب استمرت سنوات طويلة، كلفت البلاد آلاف الأرواح ومليارات الدولارات، وانتهت بانسحاب مذل دون تحقيق النصر. وفي العراق، تكررت الأخطاء نفسها، حيث أدى الغزو عام 2003 إلى استنزاف مالي وعسكري هائل، بنتائج سياسية وأمنية كارثية ما زالت آثارها قائمة حتى اليوم. هذه التجارب التاريخية تؤكد أن الدخول في حرب بلا أهداف محددة ولا خطة خروج واضحة هو وصفة مؤكدة للفشل والاستنزاف.
ورجح معهد كاتو أن الحرب في إيران هي في جوهرها اختبار لقدرة الولايات المتحدة على التوازن بين طموحاتها الخارجية وواقعها الداخلي. لكن الاستمرار في الإنفاق بلا حدود يعني نقل عبء مالي هائل إلى الأجيال القادمة، وتكرار أخطاء الماضي التي كلفت البلاد تريليونات الدولارات دون نتائج ملموسة، مؤكدا إذا كان الهدف هو حماية الأمن القومي، فإن الأولوية يجب أن تكون معالجة الدين العام وضبط الإنفاق، لا الانخراط في مغامرات عسكرية جديدة. لذا يعتبر الكونجرس أمام فرصة لإعادة ضبط المسار، عبر رفض التمويل الطارئ للحرب، وإرسال رسالة واضحة بأن الأمن يبدأ من الداخل، وأن الاقتصاد هو الركيزة الأساسية لأي قوة عسكرية.
وبرزت فكرة جديدة يروج لها بعض المؤيدين للصراع، تعرف بـ"خيار الكوماندوز"، وتتصور الاستعانة بقوات العمليات الخاصة لشن غارات تستهدف مخازن اليورانيوم عالي التخصيب المنتشرة داخل الأراضي الإيرانية، على أمل تحقيق هدف حاسم دون الانزلاق إلى حرب طويلة الأمد؛ غير أن معهد كاتو الأمريكي يرى أن هذه الفكرة أقرب إلى الوهم منها إلى الواقع؛ فالمواقع النووية الإيرانية مثل "فوردو" و"نطنز" محصنة بشدة، ولا يمكن لفريق صغير من القوات الخاصة اقتحامها أو السيطرة عليها.
ولوجستيا، يبدو أن عملية كهذه تتطلب قوة بحجم كتيبة كاملة، مدعومة بفرق هندسية وتجهيزات ثقيلة، وهو ما يحول الغارة السريعة إلى معركة مفتوحة تحت نيران الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، في ظروف ميدانية لم تختبرها القوات الأمريكية من قبل.
وحتى إذا نجحت القوات الأمريكية في اقتحام هذه المنشآت، فإن إخراج نحو ألف رطل من اليورانيوم من عمق الأراضي الإيرانية يمثل تحديا شبه مستحيل. والأسوأ أن العملية لن تكون لمرة واحدة، بل تحتاج إلى تكرارها، نظرا لتوزيع المخزون النووي الإيراني على مواقع متعددة.
هنا يبرز جوهر النقد الذي يقدمه معهد كاتو: قوات العمليات الخاصة ليست أداة سحرية تصلح لكل المهام، بل هي أداة دقيقة محدودة الاستخدام، وقد جرى توظيفها في واشنطن كأداة متعددة الأغراض بشكل مفرط وغير عقلاني، ربما تعبيرا عن نزعة البحث عن حلول سريعة لمشكلات معقدة، وهو ما يجعل "خيار الكوماندوز" أقرب إلى خيال عسكري منه إلى خطة قابلة للتنفيذ.
تجدر الإشارة إلى أن معهد كاتو (Cato Institute) هو مركز أبحاث أمريكي تأسس عام 1977 في واشنطن العاصمة، ويعرف بتوجهه الليبرالي الكلاسيكي، ورئيسه الحالي فهو بيتر ن.
جويتلر الذي يقود المعهد منذ عام 2015، بعد مسيرة طويلة في مجال التمويل والاستثمار، ويعتبر من أبرز الشخصيات الداعمة للفكر الليبرالي في الولايات المتحدة.