مستوحى من "تيتانيك".. تمثال ترامب وإبستين يفجر جدلًا في قلب واشنطن
في نفس المكان الذي شهد خطاب مارتن لوثر كينج الخالد "لدي حلم"، وفي الساحة ذاتها التي احتضنت أعظم مسيرات التاريخ الأمريكي، فاجأ عمل فني استفزازي زوار ناشونال مول في واشنطن العاصمة؛ تمثال ضخم يصور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومتحرش الأثرياء الشهير جيفري إبستين في وضعية "الطيران" الأيقونية المستوحاة من فيلم تيتانيك، حيث يقف الاثنان على "مقدمة السفينة" ذراعاهما مفتوحتان في مواجهة الريح — في مشهد بصري صاخب يمزج بين السخرية اللاذعة والرسالة السياسية الحادة، وفقًا لصحيفة جلوبال نيوز.
عندما يتحول الفن إلى محاكمة علنية
لم يكن اختيار مشهد تيتانيك بريئًا أو عشوائيًا. فذلك المشهد الذي يرمز في الذاكرة الجمعية إلى الحب والانطلاق والحرية، تحول على يد منفذي التمثال إلى استعارة مقلوبة تمامًا: سفينة تغرق، ورفيقان لا يجمعهما الحب بل — بحسب ما يوحي العمل — شراكة من نوع آخر طالما أثارت تساؤلات لم تنقطع منذ سنوات.
وقد نجح الفنانون في توظيف لغة السينما الشعبية توظيفًا ذكيًا لإيصال رسالة سياسية معقدة بصورة بصرية فورية، لا تحتاج إلى شرح أو تفسير.
الموقع.. رسالة في حد ذاته
اختار منفذو العمل لتنصيب تمثالهم موقعًا بالغ الرمزية؛ ناشونال مول، ذلك الممر التاريخي العظيم الممتد بين نصب لنكولن التذكاري ومبنى الكابيتول، والذي طالما كان الفضاء الأمريكي الأول للتعبير الشعبي والاحتجاج السياسي.
فالوقوف في هذا المكان بالذات يعني أن رسالتك موجّهة مباشرة إلى قلب السلطة، وأنك تختار أكثر البقاع دلالة في التاريخ الأمريكي ساحةً لمحاكمتك الرمزية.
وقد سارعت السلطات إلى إزالة التمثال بعد ساعات قليلة من ظهوره، لكن الصور ومقاطع الفيديو كانت قد انتشرت بسرعة مذهلة عبر منصات التواصل الاجتماعي، محققةً للعمل انتشارًا يفوق بمراحل ما كان سيحققه لو بقي في مكانه أيامًا.
إبستين.. الشبح الذي لا يغادر
ما يمنح هذا العمل الفني ثقله الحقيقي ليس جرأته الشكلية، بل السياق الذي يندرج فيه. فملف جيفري إبستين، الذي توفي في ظروف غامضة لا تزال موضع جدل في زنزانته عام 2019، يبقى من أشد الملفات حساسيةً وإحراجًا في السياسة الأمريكية.
الرجل الذي أدين بتهريب القاصرات جنسيًا لخدمة شبكة من الأثرياء والنافذين، ترك وراءه تساؤلات معلّقة حول هوية عملائه وشركائه، وقائمة أسماء لا يزال جزء كبير منها طيّ الكتمان.
أما ترامب، الذي جمعته بإبستين صداقة وثيقة في التسعينيات وصدر الألفينيات، فقد وصفه ذات مرة بأنه "رجل رائع" يُحب "النساء الشابات جدًا"، وهو توصيف عاد ليطارده في كل مرحلة سياسية لاحقة.
موجة لا تهدأ من الفن الاحتجاجي
يندرج هذا العمل ضمن موجة متصاعدة من الفن الاحتجاجي التي باتت تجتاح المدن الأمريكية بوتيرة غير مسبوقة منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض.
ويلجأ الفنانون الناشطون بشكل متزايد إلى الأماكن العامة ذات الرمزية العالية، مستثمرين قوة الصورة البصرية في عصر تهيمن عليه منصات التواصل الاجتماعي، إذ يكفي مقطع مصوّر مدته ثوانٍ لإشعال نقاش يمتد أيامًا عبر الفضاء الرقمي.
والأذكى في هذا النوع من الأعمال أن السلطات حين تسارع إلى إزالتها تمنحها في الغالب انتشارًا أوسع مما لو تركتها قائمة، وهو فخ وقعت فيه هذه المرة أيضًا.
التوقيت.. ليس صدفة
لا يبدو ظهور هذا التمثال في هذا التوقيت بالذات بعيدًا عن حسابات مدروسة. فالمطالبات بالكشف الكامل عن وثائق إبستين السرية تتصاعد في الكونغرس، فيما تتواصل الضغوط على الإدارة الأمريكية للإفراج عن قائمة العملاء الكاملة.
وفي خضم هذا المشهد المتوتر، جاء التمثال ليُذكّر بأن الرأي العام لم ينسَ، وأن الفن قد يكون أحيانًا أشد فاعليةً من لجان التحقيق البرلمانية في إبقاء الملفات الحساسة حيّة في الوجدان الجمعي — طالما بقي الغموض يلفّ واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في التاريخ الأمريكي المعاصر.