القادم أسوأ لأمريكا.. "نشهد كيف يتحول بلد بأكمله إلى دكتاتورية دون مقاومة تذكر"
قبل عشر سنوات، كتب المؤرخ الأمريكي الكبير تحذيرًا صاخبًا قال فيه إن الفاشية لن تأتي إلى أمريكا بالحذاء العسكري والتحية النازية، بل ستأتي على يد مقدم تلفزيوني وملياردير زائف ونرجسي. واليوم، وبعد عقد كامل، جلس المؤرخ روبرت كاجان أمام صحفيي مجلة دير شبيجل الألمانية ليقول بهدوء مثير للقلق: "لقد كنت على حق — لكنني لم أتوقع أن يصل الأمر إلى هذا الحد."
قدم واحدة في الدكتاتورية
حين سئل كاجان مباشرة عما إذا كان يعتبر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دكتاتورًا، أجاب المؤرخ بأنه "بالتأكيد دكتاتور بالنية والطموح"، مضيفًا أن الولايات المتحدة باتت "بقدم واحدة داخل الدكتاتورية — بل أكثر من ذلك بكثير." وهي عبارة صدمت قراء دير شبيجل وتحولت فورًا إلى أكثر الجمل تداولا على وسائل التواصل الاجتماعي الأوروبية.
يصف المؤرخ المشهد الأمريكي بمرارة واضحة: "حين ترى مثل هذه التطورات في بلد آخر، تتساءل: لماذا لم يقاوموا؟ لماذا لم يفرّوا؟ والآن نشهد، في بلدنا نفسه، دولة بأكملها تسقط تحت الدكتاتورية دون مقاومة تكاد تذكر." وهو اعتراف مؤلم من رجل قضى عقودًا يدرس انهيار الديمقراطيات في التاريخ، ليجد نفسه اليوم يوثق انهيارًا من داخله ويرى تطوره رأي العين.
تفكيك الدولة خطوة خطوة
وأشارت المجلة الألمانية إلى أن ما يقلق المؤرخ كاجان ليس خطابًا سياسيًا أو قرارًا بعينه، بل نمط ممنهج يراه واضحًا للعيان. الإدارة الحالية تصرفت في عامها الأول بسرعة لافتة: تفكيك البيروقراطية الفيدرالية، والسيطرة على وزارة العدل، والسيطرة على مكتب التحقيقات الفيدرالي، والسيطرة على وكالة الاستخبارات المركزية، ثم تشكيل ما يصفه المؤرخ بـ"الفرقة الضاربة" التي تعمل تحت اسم إدارة الهجرة والجمارك — وهذه بنظره أعمال الدكتاتور لا تحتاج إلى تفسير.
ويرى المؤرخ أن الخطر لا يكمن في شخص الرئيس وحده، بل فيمن يقف خلفه — أشخاص يعملون بنشاط على تقويض الديمقراطية الليبرالية وتدمير ما بناه الآباء المؤسسون. وهو تحذير يتجاوز الشخصنة السياسية ليطرح سؤالًا بنيويًا أعمق: هل المؤسسات الأمريكية قادرة على الصمود أمام ضغط ممنهج ومتواصل؟
المحاكم لن تنقذ الديمقراطية
يبدو المؤرخ متشككًا في قدرة القضاء على لعب دور المنقذ: "المحاكم الفيدرالية قد تتدخل، لكن المحكمة العليا أثبتت استعدادًا لإعطاء الرئيس ما يريد. وحين ينتقل الرئيس إلى مجال الأمن القومي ويدّعي مبررات أمنية لتصرفاته، فإن المحاكم تتراجع تاريخيًا."
ويضرب مثلًا تاريخيًا لافتًا على خطورة هذا المسار — قرار اعتقال الأمريكيين اليابانيين إبان الحرب العالمية الثانية، الذي وافقت عليه المحكمة العليا تحت ذريعة الأمن القومي، والذي يُعدّ اليوم من أسوأ قرارات القضاء الأمريكي في المئة عام الأخيرة.
أخطر لحظة منذ 1945
يذهب المؤرخ إلى أبعد من ذلك ليقول إن الحرب الباردة لا تعدو كونها لعبة أطفال مقارنة بما ينتظر العالم، وإن الرئيس الأمريكي يقود العالم نحو أخطر حقبة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945.
وفي تشخيصه للمشهد الدولي يقول: "في عالم متعدد الأقطاب، باتت روسيا والصين تملكان فرصة لاستعادة مناطق نفوذهما التاريخية. وهذا يعني على الأرجح نهاية السيادة لعدد كبير من الدول المتوسطة التي تمتعت بأمن غير مسبوق في ظل الحماية الأمريكية." بمعنى آخر، ما يجري ليس مجرد أزمة داخلية أمريكية — بل زلزال يهدد النظام الدولي كله.
صوت من داخل المنظومة
ما يمنح تحليل المؤرخ ثقلًا خاصًا هو أنه ليس صوتًا من اليسار الراديكالي — بل هو مفكر محافظ بارز، عمل مستشارًا للسياسة الخارجية الأمريكية لعقود، وآمن طويلًا بالدور الأمريكي في قيادة النظام الليبرالي العالمي. وقد كتب في تحليل نشره مؤخرًا: "الرئيس الأمريكي نجح في عام واحد في تدمير النظام الأمريكي الذي كان، وأضعف قدرة أمريكا على حماية مصالحها في العالم الذي سيكون. ظن الأمريكيون أن الدفاع عن النظام الليبرالي العالمي مكلف للغاية — انتظروا حتى يدفعوا ثمن ما سيأتي بعده."
ووصفت ديرشبيجل تصريحات كاجان بأنها بمثابة تحذير من رجل رأى كيف تنتهي الديمقراطيات؛ وهو يقول الآن إنه يرى النهاية تقترب، ببطء وبلا ضجيج.