كيف برزت روسيا كفائز مبكر في الحرب الإيرانية؟
بينما تتصاعد أعمدة الدخان فوق تل أبيب وطهران وترتفع أسعار النفط إلى مستويات لم تشهدها أسواق الطاقة منذ 2022، تبدو عاصمة واحدة تتابع المشهد باطمئنان هادئ وابتسامة مكتومة، وهي موسكو. فمنذ انطلقت الضربات الأمريكية الإسرائيلية في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، برزت روسيا فائزًا مبكرًا من الأسبوع الأول للحرب، إذ بدت قادرة على جني ثمار التداعيات الاقتصادية والجيوسياسية للصراع بينما يتحمل الآخرون تكاليفه، وفقا لمجلة التايم الأمريكية.
من العقوبات إلى الثروة — قصة النفط الروسي
وذكرت المجلة أن الفائدة الأولى والأكثر وضوحا لروسيا جاءت من قلب الأزمة مباشرةً. إذ قفزت أسعار النفط الروسي من أقل من 40 دولارًا للبرميل في ديسمبر إلى نحو 62 دولارًا عقب الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، مما دفع عائدات الطاقة الروسية مجددًا فوق المستوى الذي تحتاجه وزارة المالية لتمويل حملتها العسكرية.
ولكن المفارقة الصارخة أن العقوبات الغربية التي كانت تثقل كاهل موسكو انقلبت فجأة لصالحها. كانت روسيا مضطرة لبيع نفطها بخصم يتراوح بين 10 و13 دولارًا للبرميل قبل الضربات، أما الآن فهي تبيعه بعلاوة تتراوح بين 4 و5 دولارات فوق السعر العالمي. وهذا التحول من الخصم إلى العلاوة يمثل انقلابًا جذريًا في المعادلة المالية لموسكو. فعائدات النفط والغاز كانت قد تراجعت من 45% من الميزانية الفيدرالية عام 2021 إلى نحو 20% فقط في 2025 جراء العقوبات الدولية، لكن الحرب الإيرانية أعادت رسم هذا المشهد بالكامل.
والأمر لا يقتصر على الأسعار، بل يمتد إلى هيكل الأسواق ذاته. روسيا وإيران وفنزويلا هي كبرى منتجي النفط الثقيل المُصدَّر إلى عشرات الدول لتكريره في مصافيها، وبعد توقف صادرات إيران وتعطل فنزويلا، باتت المصافي المصممة لمعالجة النفط الثقيل تعتمد بشكل رئيسي على النفط الروسي. وفي تصريح كاشف، أعلن نائب رئيس الوزراء الروسي أن موسكو مستعدة لزيادة إمداداتها لتلبية الطلب المتصاعد من الصين والهند.
واشنطن تفتح الباب أمام النفط الروسي
المفاجأة الأكبر جاءت من واشنطن نفسها. فقد أصدر وزير الخزانة الأمريكي إعفاءً مؤقتًا لمدة 30 يومًا يسمح للهند باستئناف شراء النفط الروسي، وهي الدولة التي فرضت عليها تعريفات جمركية بسبب هذه الصفقات بالذات. والمفارقة الصارخة أن المسؤول الأمريكي صرّح علنًا: "وافقنا على السماح لمصافي الهند ببدء شراء النفط الروسي الموجود بالفعل في عرض البحر." روسيا تمتلك مئات الملايين من البراميل المخزنة في ناقلات عائمة في عرض البحر، وهي الآن تترقب رفع العقوبات للتخلص منها بأسعار مرتفعة.
أوكرانيا تدفع الثمن الخفي
لكن الربح الروسي الأعمق ليس اقتصاديًا — بل عسكري. صرّح الرئيس الأوكراني بأن عدد صواريخ باتريوت الأمريكية المستهلكة في ثلاثة أيام فقط من حرب إيران يفوق ما استخدم في أوكرانيا منذ عام 2022. وهذا الرقم المذهل يكشف حجم المعضلة التي تواجهها كييف. كل بطارية باتريوت مخصصة للدفاع عن مدن الخليج هي بطارية لن تصل إلى أوديسا أو خاركيف، وكل صاروخ اعتراضي استخدم فوق الرياض هو صاروخ لن يعترض القاذفة الباليستية الروسية التالية فوق شبكة الطاقة الأوكرانية.
وبادرت روسيا باستغلال هذه الفجوة بلا تردد. في خضم الأزمة الإيرانية، شنت روسيا قصفا بنحو 450 طائرة مسيّرة و19 صاروخًا على مدينة خاركيف وحدها، ما أسفر عن سقوط عشرة قتلى على الأقل. وتكشف البيانات أن روسيا أطلقت في فبراير الماضي عددًا من الصواريخ لم يُشهد منذ مطلع عام 2023، بزيادة تجاوزت 113% مقارنة بيناير الماضي.
الاستخبارات سلاح موسكو الخفي
أما الدور الأخطر الذي تلعبه موسكو فيجري في الظل. تشير تقارير موثوقة إلى أن روسيا زوّدت إيران بمعلومات استخباراتية لاستهداف القوات الأمريكية في المنطقة، شملت مواقع السفن الحربية والطائرات. وحين سُئل وزير الدفاع الأمريكي عن هذه التقارير أجاب ببرود: "لا أحد يُعرِّضنا للخطر." لكن المحللين يرون في ذلك رسالة روسية واضحة بأن موسكو ستُعقّد أي تفوق عسكري أمريكي في المنطقة دون أن تتورط في مواجهة مباشرة.
حدود الانتصار — لعبة محفوفة بالمخاطر
غير أن هذا الانتصار المبكر لا يخلو من مخاطر حقيقية. الصندوق السيادي الروسي تقلص من 185 مليار دولار عام 2021 إلى نحو 35 مليار دولار اليوم، فيما ركد النمو الاقتصادي وتصاعد الإنفاق العسكري، مما دفع بوتين إلى رفع الضرائب والاستدانة من البنوك المحلية للحفاظ على التوازن المالي. كما يحذر المراقبون والمحللون من أن فوضى إيران قد تُطلق موجات من عدم الاستقرار تمتد إلى الجنوب الروسي وآسيا الوسطى.
تبدو موسكو فائزا اقتصاديا واضحا من اضطرابات الطاقة المرتبطة بهذه الحرب، إذ تعني الأسعار المرتفعة عائدات أعلى للحكومة وبالتالي قدرة أكبر على تمويل الحرب في أوكرانيا. لكن الأمر لا يعدو كونه انتصارًا للفرصة لا للاستراتيجية — فروسيا لم تصنع هذه الحرب، لكنها أتقنت فن توظيفها لصالحها في اللحظة المناسبة، كما ترجح التايم.