انقلاب ترامب على ستارمر.. كيف تؤدي الحرب الإيرانية إلى تفتيت العلاقات البريطانية‑الأمريكية؟
تبدو العلاقة التي كانت يوما ما قوية بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية على حافة الانقسام، مع تصاعد الخلاف بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر على خلفية الحرب الإيرانية المتوسعة.
خلال مؤتمر صحفي في المكتب البيضاوي حضره المستشار الألماني فريدريش ميرتز، انتقد ترامب بشدة موقف المملكة المتحدة، مستذكرا جزيرة تشاجوس التي تضم قاعدة دييجو جارسيا المشتركة بين البلدين، والتي أعادت لندن سيادتها لموريشيوس العام الماضي، وهو ما وصفه ترامب بـ "عمل غبي للغاية"، وفقا لمجلة تايم.
رفض ستارمر في البداية السماح للقوات الأمريكية باستخدام القاعدة لإطلاق صواريخ دفاعية ضد إيران، لكنه تراجع عن قراره لاحقا، معتبرًا أن ذلك هو "أفضل وسيلة للتعامل مع التهديد العاجل ومنع التصعيد".
بالنسبة لترامب، كان التراجع متأخرًا للغاية، إذ قال إن "الأمر استغرق ثلاثة أو أربعة أيام لمعرفة مكان الهبوط، وكان من الأسهل كثيرًا أن يتم الهبوط هناك بدلًا من إضافة ساعات طيران إضافية".
ودافع ستارمر عن موقفه في مجلس العموم، مشددًا على أن المملكة المتحدة لن تشارك في حرب بدون خطة واضحة، وأن حماية المواطنين البريطانيين تظل الأولوية القصوى، خاصة مع وجود طائرات بريطانية في المنطقة لاعتراض أي ضربات واردة.
وأضاف ستارمر أن الاعتماد على كلمات ترامب الأخيرة لا يمثل طبيعة "العلاقة الخاصة" بين البلدين.
إرث "العلاقة الخاصة" وتاريخ التحالف
تستحضر هذه الأزمة إرث التحالف الذي بناه الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت ورئيس الوزراء البريطاني وينستون تشرشل خلال الحرب العالمية الثانية، وهو ما أصبح أساس ما يعرف بـ "العلاقة الخاصة" بين لندن وواشنطن. في تلك الحقبة، نجح تشرشل في استقطاب الولايات المتحدة لدعم الحلفاء، خاصة بعد الهجوم الياباني على بيرل هاربر، وتم تأسيس قيادة مشتركة للحرب وحققت تنسيقًا عسكريًا واستراتيجيًا غير مسبوق.
ولفت المراقبون إلى أن الرئيس ترامب استحضر هذا التاريخ أثناء انتقاده لستارمر، قائلًا إن "هذا ليس وينستون تشرشل"، في إشارة إلى عدم تعاون لندن بسرعة مع الضربات الأمريكية ضد إيران.
ويرى محللون أن هذه المقارنة التاريخية تهدف لتضخيم إحباط الإدارة الأمريكية من الموقف البريطاني الحالي، مع تجاهل السياق السياسي والاقتصادي الحديث.
توتر جديد في التحالف بعد العراق وأزمة تشاجوس
تعد تجربة بريطانيا في حرب العراق 2003 أحد العوامل التي تجعل أي مشاركة عسكرية جديدة قضية حساسة. حينها تكبدت المملكة المتحدة خسائر بشرية كبيرة، ما ترك أثرًا سياسيًا عميقًا على قرارات الحكومات البريطانية اللاحقة.
واليوم، يواجه ستارمر ضغوطًا متزايدة، إذ تتهمه المعارضة البريطانية بإضعاف "العلاقة الخاصة" بسبب تردده في دعم العمليات الأمريكية ضد إيران فورًا، ما يذكر بتردد هارولد ويلسون خلال حرب فيتنام، قبل أن يرسل توني بلير قواته للعراق استنادًا إلى معلومات استخباراتية تبين لاحقًا أنها خاطئة.
لكن الخلافات لم تتوقف عند حد التصريحات، بل شملت اتفاقية جزيرة تشاجوس، حيث يربط ترامب موقفه بدعم المملكة المتحدة الكامل، فيما لا يزال اتفاق الدعم الدفاعي الأمريكي البريطاني متوقفًا على الضمانات القانونية والسياسية بشأن السيادة على الأرخبيل، الذي يمثل موقعًا استراتيجيًا حيويًا للولايات المتحدة في الشرق الأوسط وجنوب آسيا والمحيط الهندي.
المخاطر والتحذيرات الأمريكية
يشير المحللون السياسيون في واشنطن إلى أن هذا الخلاف يعكس قلق الولايات المتحدة بشأن مدى موثوقية بريطانيا كأقرب حليف لها.
ويضيفون أن الحرب الإيرانية تحمل مخاطر كبيرة على المدى القصير والمتوسط، بما في ذلك استنزاف القدرات العسكرية في وقت تحتاجه واشنطن لمواجهة تحديات أخرى، مثل أي نزاع محتمل مع الصين حول تايوان.
ويستحضر البعض تجربة دعم الرئيس رونالد ريغان لبريطانيا خلال أزمة جزر فوكلاند كمثال على أهمية الوقوف بجانب الحلفاء بمجرد مشاركتهم في العمليات القتالية.
كما يرى بعض الخبراء أن تهديدات ترامب بقطع التجارة مع الدول الداعمة لإدانة الضربات على إيران، مثل إسبانيا، قد تعكس رغبة الإدارة الأمريكية في فرض ولاء أعمى من الحلفاء، ما يزيد من الضغط على الحكومة البريطانية للحفاظ على توازن دبلوماسي شديد الدقة.