100 يوم على انطلاق الصافرة.. كأس العالم ليس بمنأى عن العواصف الجيوسياسية
مع اقتراب العد التنازلي لنحو 100 يوم فقط قبل انطلاق الصافرة إيذانا ببدء بطولة كأس العالم 2026، يجد أكبر حدث رياضي على الكوكب نفسه محاطا بسلسلة من التوترات الدولية التي تهدد بأن تطغى على أجواء الاحتفال الكروي المنتظر.
وذكرت أسوشيتدبرس أن البطولة المقبلة، التي تستضيفها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك بشكل مشترك، ستكون الأكبر في تاريخ كرة القدم بمشاركة 48 منتخبا و104 مباريات موزعة على 16 ملعبا.
ورغم التوقعات بعائدات اقتصادية ضخمة تقدر بمليارات الدولارات من السياحة والاستثمارات والبث التلفزيوني، فإن تصاعد الأزمات السياسية والعسكرية حول العالم بدأ يلقي بظلال ثقيلة على التحضيرات، ويطرح تساؤلات حول الأمن، وسهولة السفر، وحتى قدرة البطولة على الحفاظ على رسالتها التقليدية كجسر يوحد الشعوب.
شبح حرب إيران يقترب من أجواء المونديال
يأتي التصعيد العسكري في الشرق الأوسط في مقدمة الملفات التي تهدد بإقحام السياسة في قلب البطولة. فالتوتر المتزايد بين الولايات المتحدة وإيران بعد الضربات العسكرية المشتركة مع إسرائيل ضد أهداف إيرانية خلق وضعا غير مسبوق بالنسبة لبطولة يفترض أن تجمع دول العالم في منافسة رياضية سلمية.
وتكمن حساسية الموقف في أن المنتخب الإيراني كان من أوائل المنتخبات التي ضمنت التأهل إلى مونديال 2026، ومن المقرر أن يلعب مبارياته في دور المجموعات داخل الولايات المتحدة، بما في ذلك مدن مثل إنجلوود في ولاية كاليفورنيا وسياتل في ولاية واشنطن.
هذا الواقع يضع البطولة أمام معادلة معقدة: كيف يمكن تنظيم مباريات لفريق ينتمي إلى دولة في حالة عداء مباشر مع الدولة المضيفة؟
وكان مسؤولو كرة القدم في إيران قد أعربوا عن قلق واضح من تأثير هذه التطورات على المشاركة في البطولة، مؤكدين أن الأوضاع السياسية تجعل من الصعب التعامل مع الحدث الرياضي بشكل طبيعي.
في المقابل، يراقب الاتحاد الدولي لكرة القدم التطورات بحذر شديد، مع تأكيده أن الأولوية تبقى لضمان سلامة اللاعبين والجماهير والحفاظ على مشاركة جميع المنتخبات المتأهلة، وفقا لراديو فرانس إنترناسيونال.
سيناريوهات أمنية غير مسبوقة
تثير هذه التطورات احتمال اتخاذ إجراءات أمنية غير معتادة خلال البطولة. فخبراء الأمن الرياضي يشيرون إلى أن مشاركة إيران قد تفرض ترتيبات خاصة، مثل تخصيص مناطق منفصلة للجماهير أو تعزيز الحماية حول الملاعب والمقرات التدريبية.
كما طرحت سيناريوهات أكثر تعقيدا، منها نقل مباريات معينة إلى مدن أو دول مختلفة إذا تصاعد التوتر. ورغم أن مثل هذه الخطوات تبدو بعيدة في الوقت الحالي، فإن مجرد مناقشتها يعكس مدى حساسية الوضع الجيوسياسي الذي يحيط بالبطولة.
وفي الوقت نفسه، ظهرت دعوات محدودة في بعض الأوساط السياسية لمقاطعة الحدث أو استخدامه كمنصة للاحتجاج، وهو ما يعيد إلى الأذهان تجارب سابقة شهدت فيها الرياضة تدخلات سياسية واضحة، وفقا لصحيفة الجارديان البريطانية.
عنف الكارتلات يضع المكسيك تحت المجهر
لا تقتصر التحديات على السياسة الدولية، بل تمتد أيضًا إلى الوضع الأمني في المكسيك، إحدى الدول المضيفة الرئيسية للبطولة. فقد شهدت البلاد مؤخرًا تصاعدًا في العنف المرتبط بعصابات المخدرات بعد مقتل أحد أبرز قادة الكارتلات في عملية أمنية.
وأدت هذه التطورات إلى موجة من الهجمات الانتقامية في عدة ولايات، من بينها خاليسكو التي تضم مدينة غوادالاخارا، وهي واحدة من المدن التي ستستضيف مباريات في المونديال.
وشملت الأحداث إغلاق طرق وإحراق مركبات واشتباكات مسلحة، ما أثار قلقا دوليا بشأن قدرة السلطات على ضمان أمن البطولة.
سعت الحكومة المكسيكية إلى طمأنة المجتمع الدولي عبر التأكيد أن خطط الأمن الخاصة بالمونديال قوية وتشمل تعاونا واسعا مع الولايات المتحدة وكندا، إضافة إلى نشر قوات إضافية في المدن المضيفة. لكن بعض الخبراء يرون أن استمرار العنف قد يفرض خطط طوارئ مثل نقل مباريات أو تقليص حضور الجماهير في بعض المواقع، وفقا لصحيفة دايلي ميل.
سياسات الهجرة الأمريكية تزيد تعقيدات المشهد
في الولايات المتحدة، يضيف الجدل السياسي الداخلي طبقة أخرى من التعقيد إلى الاستعدادات للمونديال. فقد أثارت سياسات الهجرة والتأشيرات التي تبنتها الإدارة الأمريكية مخاوف لدى جماهير من عدة دول بشأن سهولة دخول البلاد خلال البطولة.
وأشارت تقارير إعلامية إلى أن قيود السفر الجديدة قد تؤثر على جماهير من أكثر من 75 دولة، بما في ذلك دول لديها منتخبات متأهلة بالفعل مثل السنغال وساحل العاج وهايتي. مثل هذه القيود قد تؤثر بشكل مباشر على الحضور الجماهيري الدولي، وهو عنصر أساسي في نجاح أي بطولة كأس عالم.
كما أدت التوترات التجارية بين الولايات المتحدة وكل من كندا والمكسيك إلى مخاوف من ارتفاع تكاليف البنية التحتية والخدمات المرتبطة بالبطولة، وهو ما قد يزيد الضغط على المدن المضيفة والميزانيات المحلية، وفقا للجارديان.
تحديات تنظيمية وارتفاع أسعار التذاكر
على الصعيد الداخلي، تواجه بعض المدن الأمريكية تحديات تنظيمية مرتبطة بالتمويل. فقد ألغيت بعض المهرجانات الجماهيرية المخطط لها بسبب نقص الدعم المالي والخلافات داخل الكونجرس بشأن تمويل الإجراءات الأمنية.
في الوقت نفسه، أثارت أسعار التذاكر المرتفعة موجة انتقادات بين جماهير كرة القدم. فبعض المقاعد المميزة قد يصل سعرها إلى آلاف الدولارات، بينما تجاوزت أسعار إعادة البيع ألف دولار للمباراة الواحدة في بعض الحالات. هذا الواقع دفع المنظمين إلى طرح عدد محدود من التذاكر منخفضة السعر في محاولة لتهدئة الغضب الجماهيري، وفقا لصحيفة نيويورك تايمز.
رهانات اقتصادية ضخمة رغم العواصف
رغم كل هذه التحديات، لا تزال التوقعات الاقتصادية للبطولة هائلة. فالنسخة المقبلة من كأس العالم قد تحقق إيرادات تصل إلى نحو 11 مليار دولار، ما يجعلها الأكثر ربحية في تاريخ اللعبة.
كما ينتظر أن تشهد البطولة مشاركة أبرز نجوم كرة القدم في العالم، من بينهم لاعبو المنتخبات الكبرى مثل الأرجنتين وفرنسا وإسبانيا وإنجلترا، في بطولة قد تمثل لحظة تاريخية في مسيرة العديد من النجوم.
ويرى مسؤولو الاتحاد الدولي لكرة القدم أن توسيع البطولة إلى 48 منتخبا سيجعلها أكثر شمولا وتمثيلا للقارات المختلفة، حتى لو كان بعض النقاد يعتقدون أن هذا التوسع قد يقلل من حدة المنافسة في مرحلة المجموعات، وفقا لهيئة الإذاعة البريطانية، بي بي سي
اختبار عالمي لقوة الرياضة
مع اقتراب يوم الافتتاح المقرر في 11 يونيو 2026 على ملعب أزتيكا في مكسيكو سيتي، يقف كأس العالم أمام اختبار حقيقي. فالتوترات الدولية، والعنف الإقليمي، والخلافات السياسية، كلها عوامل قد تؤثر مجتمعة على بطولة يفترض أن تكون احتفالا عالميا بالرياضة الأكثر شعبية على مستوى العالم.
ومع ذلك، يظل الأمل قائما في أن تنجح كرة القدم مرة أخرى في أداء دورها التقليدي كقوة توحيد بين الشعوب. فالتاريخ يظهر أن الرياضة كثيرا ما تمكنت من تجاوز الانقسامات السياسية، مقدمة لحظات نادرة تعبر عن الوحدة العالمية.