مع عودة تهديدات الحوثيين.. ممر البحر الأحمر ينزلق مجددا إلى دائرة الأزمة
ينزلق ممر البحر الأحمر مجددًا إلى دائرة التوتر، بعد أن أعلنت جماعة الحوثي في اليمن عزمها استئناف استهداف السفن التجارية، منهيةً فترة هدوء نسبي استمرت قرابة ثلاثة أشهر ونصف.
جاء الإعلان في أعقاب ضربات عسكرية أميركية–إسرائيلية استهدفت إيران، حيث ربط مسؤولون حوثيون قرارهم بتلك التطورات، وأكدوا استعدادهم لإعادة إطلاق هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضد خطوط الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، وفقًا لصحيفة «جيه كابتن» المتخصصة في شؤون الشحن البحري العالمي.
وكان الحوثيون قد أوقفوا الهجمات واسعة النطاق منذ منتصف نوفمبر 2025، في سياق تهدئة إقليمية ارتبطت بوقف إطلاق النار في غزة. وخلال الفترة الممتدة من 11 نوفمبر 2025 حتى أواخر فبراير 2026، لم تُسجَّل هجمات مؤكدة ومستمرة على سفن تجارية تُنسب إليهم، قبل أن تعيد التصريحات الأخيرة المنطقة إلى مربع القلق.
وحذّر مجلس البلطيق والبحرية الدولية من تصاعد المخاطر، مؤكدًا أن السفن ذات الصلات التجارية بالولايات المتحدة أو إسرائيل ستواجه احتمالات استهداف أعلى، مع التنبيه إلى أن سفنًا أخرى قد تتعرض للإصابة نتيجة خطأ في تحديد الهوية، كما حدث في دورات سابقة من التصعيد.
وتوقع المجلس أن ترتفع أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب بشكل كبير إذا استؤنفت الهجمات، بعدما أضافت هذه الأقساط في السابق مئات الآلاف من الدولارات إلى تكلفة الرحلة الواحدة.
وعلى المستوى التشغيلي، أعلنت شركة ميرسك إعادة تحويل بعض خدماتها بعيدًا عن البحر الأحمر والعودة إلى طريق رأس الرجاء الصالح، مبررةً القرار بقيود تشغيلية غير متوقعة في البيئة الإقليمية.
وكانت الشركة قد استأنفت، في مطلع فبراير، تشغيلًا محدودًا عبر البحر الأحمر بالتعاون مع هاباج-لويد، مستفيدةً من تقليص زمن الرحلات عبر قناة السويس بنحو 19 يومًا في الاتجاه غربًا وسبعة أيام في الاتجاه شرقًا، غير أن التطورات الأمنية الأخيرة بددت هذه المكاسب وأعادت عنصر عدم اليقين إلى صدارة المشهد.
وسجّلت ميرسك خسارة قدرها 153 مليون دولار في قطاع الشحن البحري خلال الربع الرابع من عام 2025، وأصدرت توقعات مالية لعام 2026 تراوحت بين تكبد خسائر كبيرة وتحقيق أرباح، في مؤشر واضح على هشاشة التعافي المرتبط بإعادة فتح الممر الملاحي.
ويمر عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب ما بين 10% و15% من حجم التجارة البحرية العالمية في الظروف الطبيعية، إذ يربط الممر بين أسواق أوروبا والبحر المتوسط من جهة وآسيا من جهة أخرى. وقد أدى تحويل السفن سابقًا حول جنوب أفريقيا إلى زيادة زمن الرحلات بين 10 و14 يومًا، ورفع تكاليف الوقود، وزيادة الانبعاثات، وإرباك سلاسل الإمداد العالمية.
وبدأت الأزمة الحالية في 19 نوفمبر 2023، عندما استولت قوات حوثية على سفينة تجارية قبالة السواحل اليمنية، ثم استهدفت لاحقًا أكثر من مئة سفينة، وأغرقت أربع سفن، واحتجزت واحدة، وأودت بحياة ما لا يقل عن ثمانية بحارة.
وكانت هيئة قناة السويس قد تعاملت، قبل الهجمات، مع نحو 80 سفينة حاويات أسبوعيًا، ثم انخفض العدد إلى 26 سفينة فقط بحلول منتصف يناير 2026، رغم تحسن نسبي سابق.
وترفع القوات البحرية في المنطقة ومشغلو السفن حاليًا مستويات التأهب ويفعّلون خطط الطوارئ، فيما يراقب ملاك السفن وشركات الشحن تطورات الموقف لاتخاذ قرارات تتعلق بخطوط السير، وأداء عقود الإيجار، والتغطيات التأمينية، وسلامة الأطقم.
وتعيد هذه التطورات البحر الأحمر إلى واجهة بؤر المخاطر البحرية عالميًا، مؤكدةً أن أي تصعيد جديد لن يبقى محصورًا في نطاق جغرافي ضيق، بل سيمتد أثره إلى أسواق الطاقة، وحركة التجارة الدولية، واستقرار سلاسل الإمداد حول العالم.