< إغلاق هرمز واستئناف هجمات البحر الأحمر يعيدان تشكيل خريطة الشحن العالمي
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

إغلاق هرمز واستئناف هجمات البحر الأحمر يعيدان تشكيل خريطة الشحن العالمي

الرئيس نيوز

تدخل صناعة الشحن بالحاويات مرحلة استثنائية عندما يتزامن إغلاق مضيق هرمز مع تجدد الهجمات في البحر الأحمر، فتفقد التجارة البحرية في الخليج منفذها الوحيد إلى المحيط المفتوح، ويتعطل في الوقت نفسه أحد أهم مسارات الربط بين آسيا وأوروبا. 

وتخلق الضربات العسكرية التي استهدفت إيران في أواخر فبراير واقعًا ملاحيًا مختلفًا جذريًا، إذ تواجه شركات الحاويات بيئة لا تسمح بمجرد إعادة توجيه السفن، بل تفرض توقفًا كاملًا لحركة البضائع في منطقة بأكملها، وفقًا لمجلة كونتينر منجمنت المتخصصة في شؤون الشحن البحري.

إغلاق بلا بديل: هرمز كنقطة اختناق مطلقة
يشكل مضيق هرمز الشريان البحري الوحيد الذي يربط موانئ الخليج بالعالم. عندما يتعطل هذا الممر، لا يتباطأ التدفق التجاري فحسب، بل ينقطع تمامًا. 

تختلف هذه الحالة عن أزمة البحر الأحمر التي سمحت بالتحويل عبر رأس الرجاء الصالح رغم الكلفة العالية وطول زمن الرحلة. في حالة هرمز، لا يوجد طريق أطول، ولا قناة بديلة، ولا مسار احتياطي.

وتؤدي التحذيرات البحرية والإشارات الميدانية إلى انخفاض شبه كامل في حركة العبور. تتكدس السفن داخل الخليج، وتنتظر في مناطق الرسو المفتوحة، بينما تتجنب السفن الجديدة الدخول. تتحول الموانئ الخليجية إلى نقاط مغلقة بحريًا، ويصبح وجود السفن فيها معلقًا بقرار سياسي وعسكري أكثر منه بجدول تشغيلي.

واليوم، هناك مئات السفن عالقة وآلاف الحاويات تنتظر، وتحتجز داخل الخليج عشرات السفن المخصصة لنقل الحاويات، بطاقة إجمالية تمثل نسبة ملموسة من الأسطول العالمي. 

تمتد حالة الانتظار إلى ناقلات النفط والغاز، فتزداد المنافسة على المراسي والمرافئ المختلطة الاستخدام. يؤدي هذا التزاحم إلى تعطيل سلاسل الإمداد على مستويين: مستوى الشحن البحري العابر للقارات، ومستوى إعادة التوزيع الإقليمي داخل الخليج.

وتكشف بيانات تتبع الشحنات أن مئات الآلاف من الحاويات كانت في العبور لحظة التصعيد، وتحمل بضائع بمليارات الدولارات، تشمل موادًا صناعية ومكونات إلكترونية وسلعا استهلاكية. يُترجم هذا التوقف إلى تأخير في خطوط الإنتاج، ونقص في المخزون، وضغط تصاعدي على الأسعار في أسواق متعددة.

جبل علي: عقدة إقليمية تتحول إلى جزيرة لوجستية
يتعرض ميناء جبل علي، الذي تديره DP World، لارتدادات مباشرة. يعالج الميناء أكثر من خمسة عشر مليون حاوية قياسية سنويًا، ويؤدي دور مركز إعادة شحن رئيسي يربط بين خطوط آسيا وأفريقيا وأوروبا. عندما يتعطل الوصول البحري، ينقطع الميناء فعليًا عن شبكته العالمية.

تتوقف العمليات احترازيًا، وتتجمد إجراءات الربط الجمركي بين المنطقة الحرة والبر المحلي، فتتعطل حركة إعادة التصدير التي تعتمد عليها شركات إقليمية ودولية. تتحول الحاويات من وحدات متحركة إلى مخزون ثابت، ويبدأ الضغط على ساحات التخزين والمعدات والعمالة.

شركات الملاحة: انسحاب تكتيكي وإعادة تموضع
تعليق شركات كبرى مثل Hapag-Lloyd وCMA CGM وMaersk عبور سفنها عبر المضيق، وتوجيه الوحدات الموجودة داخل الخليج إلى الاحتماء في الموانئ، ينسف أي آمال بعودة سريعة إلى المسارات التقليدية عبر قناة السويس.

ويعيد المشغلون ترتيب جداولهم العالمية، فيمددون أزمنة الرحلات، ويعيدون توزيع السفن بين الخطوط، ويخفضون عدد الرحلات إلى بعض الموانئ. ينعكس هذا الاضطراب على الموانئ البعيدة أيضًا، إذ يؤدي نقص السفن في بعض الخطوط إلى فراغات تشغيلية، بينما يؤدي تكدسها في مناطق أخرى إلى اختناقات مفاجئة.

تأمين مخاطر الحرب: قفزة حادة في التكاليف
ترفع شركات التأمين أقساط مخاطر الحرب بصورة متسارعة، وترتفع النسبة المفروضة على السفن العابرة للخليج إلى مستويات قد تتجاوز ضعف المعدلات السابقة. يضيف هذا الارتفاع مئات الآلاف من الدولارات على كلفة الرحلة الواحدة لسفينة حاويات كبيرة.

وتنقل شركات الملاحة هذه الأعباء إلى الشاحنين عبر رسوم إضافية، فتقفز أسعار الشحن الفوري، لا سيما على الخطوط الآسيوية المتجهة إلى الخليج. يتحول عامل التأمين من بند ثانوي في حسابات التكلفة إلى عنصر حاسم في اتخاذ القرار التشغيلي، ويؤثر في جدوى الإبحار من الأصل.

اختلاف نوعي عن أزمات سابقة
تختلف الأزمة الحالية عن اضطرابات سابقة لأن عنصر “المسار البديل” يغيب كليًا في حالة هرمز. تمكنت الصناعة خلال أزمة البحر الأحمر من الحفاظ على استمرارية الخدمة رغم ارتفاع التكاليف. أما في الخليج، فإن الإغلاق يعني توقفًا فعليًا للتجارة البحرية.

وتستدعي المقارنات التاريخية فترة حرب الناقلات في ثمانينيات القرن الماضي، عندما تعرضت مئات السفن لهجمات رغم وجود حماية بحرية دولية. 

تظهر التجربة أن التفوق البحري لا يمنع الاضطراب بالكامل، بل يحد من مداه. تعزز التطورات العسكرية الحديثة احتمالات استمرار المخاطر لفترة أطول مما يتوقعه السوق في مراحله الأولى.

بدائل برية محدودة وأفق زمني غامض
تطرح بعض التحليلات فكرة نقل جزء من البضائع بوسائل برية عبر شبكات سكك حديدية أو طرق شاحنات إقليمية، لكن القدرة الاستيعابية الحالية لا تكفي لتعويض أحجام الحاويات التي تمر سنويًا عبر موانئ الخليج. تحتاج هذه البدائل إلى بنية تحتية مكتملة واستثمارات ضخمة وزمن طويل للتنفيذ.

أما عن أهمية مدة الإغلاق، فإذا استمر أيامًا، يمكن للشركات امتصاص الصدمة عبر المخزون الاحتياطي وإعادة الجدولة. وإذا امتد أسابيع أو أشهر، تتحول الأزمة إلى عامل هيكلي يعيد رسم خرائط سلاسل الإمداد ويغير موازين الموانئ المحورية في المنطقة.

إعادة تعريف المخاطر في الشحن العالمي
تفرض أزمة المضيقين على قطاع الحاويات إعادة تقييم شاملة لمفهوم المخاطر الجيوسياسية. تدرك الشركات أن الاعتماد على نقاط اختناق جغرافية محدودة يجعل النظام التجاري العالمي عرضة لصدمات مفاجئة. 

تدفع هذه التجربة إلى تنويع المسارات، وتعزيز المخزون الاستراتيجي، وتوسيع شبكات الموانئ البديلة، حتى وإن كانت أقل كفاءة في الظروف الطبيعية.

ويعمل قطاع الشحن البحري اليوم في بيئة يتقاطع فيها العامل العسكري مع الاقتصادي والتأميني في آن واحد. لا تواجه الشركات مجرد زيادة في زمن الرحلة أو كلفة الوقود، بل تواجه احتمالا حقيقيًا لتوقف كامل في تدفق البضائع. 

يشكل هذا التحول لحظة مفصلية في تاريخ الشحن بالحاويات، ويؤكد أن أمن الممرات البحرية لم يعد مسألة إقليمية، بل شرطًا أساسيا لاستقرار الاقتصاد العالمي بأسره.