< انتخابات مبكرة في الدنمارك على خلفية أزمة جرينلاند
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

انتخابات مبكرة في الدنمارك على خلفية أزمة جرينلاند

الرئيس نيوز

أعلنت رئيسة وزراء الدنمارك مته فريدريكسن الدعوة إلى انتخابات برلمانية مبكرة في الرابع والعشرين من مارس المقبل، في خطوة سياسية جاءت في سياق توتر متصاعد مع الولايات المتحدة بشأن مستقبل جرينلاند.

 وحمل القرار أبعادا استراتيجية داخلية وخارجية، إذ تزامن مع تصاعد الجدل حول سيادة الجزيرة وأهميتها الجيوسياسية في منطقة القطب الشمالي.
 

وذكرت شبكة فوكس نيوز ان الانتخابات كان من المقرر عقدها في وقت لاحق من العام، غير أن فريدريكسن رأت أن التطورات الدولية تفرض العودة إلى الناخبين للحصول على تفويض واضح. 

وأكدت في تصريحاتها أن بلادها تواجه وضعا معقدا في السياسة الخارجية، وأن من الضروري أن يحدد الشعب المسار الذي ينبغي للدنمارك اتباعه في ظل الضغوط الدولية المتزايدة.


وتفجرت الأزمة بعد تجدد طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لفكرة تعزيز السيطرة أو النفوذ الأمريكي في جرينلاند، مبررا ذلك باعتبارات الأمن القومي، في ظل تنامي النشاط الروسي والصيني في القطب الشمالي.

 هذا الطرح أعاد إلى الواجهة نقاشا حساسا يعود إلى سنوات سابقة، حين أبدت واشنطن اهتماما استراتيجيا بالجزيرة نظرا لموقعها الحيوي بين أمريكا الشمالية وأوروبا.
 

وعلى الأرض، تتمتع جرينلاند بحكم ذاتي ضمن مملكة الدنمارك، ويبلغ عدد سكانها نحو ستة وخمسين ألف نسمة. 

 

ورغم إدارتها الداخلية المستقلة نسبيا، فإن قضايا الدفاع والسياسة الخارجية لا تزال من اختصاص كوبنهاجن. 

وتستضيف الجزيرة منشأة عسكرية أمريكية مهمة هي قاعدة بيتوفيك الفضائية، المعروفة سابقا باسم قاعدة ثوليه الجوية، وهي عنصر أساسي في منظومة الإنذار المبكر والدفاع الصاروخي لأمريكا.


وأثارت إعادة طرح فكرة توسيع الدور الأمريكي ردود فعل قوية في الدنمارك وجرينلاند على السواء.

 ومن جهتها، شددت الحكومة الدنماركية مرارا على أن سيادة البلاد غير قابلة للتفاوض، وأن مستقبل الجزيرة يقرره سكانها في إطار الدستور الدنماركي. 

 

هذا الموقف الحازم انعكس إيجابا على شعبية فريدريكسن، حيث أظهرت استطلاعات الرأي ارتفاعا ملحوظا في دعم حزبها الاشتراكي الديمقراطي، فيما وصفه بعض المراقبين بأنه التفاف وطني حول قضية السيادة.
 

يذكر أن التوتر لم يقتصر على التصريحات السياسية، بل امتد إلى تهديدات أمريكية بفرض رسوم جمركية على دول أوروبية، من بينها الدنمارك، ما زاد من حساسية الموقف. 

 

ومع ذلك، شهدت الأسابيع اللاحقة محاولات لاحتواء الأزمة عبر قنوات دبلوماسية، خصوصا بعد لقاءات جرت على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، شارك فيها الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته. وتم الإعلان عن إطار عمل لتعزيز التنسيق الأمني في القطب الشمالي، مع التأكيد على أن ذلك لا يمس مسألة السيادة.
 

وداخليا، تحولت القضية إلى محور رئيسي في النقاش السياسي. أحزاب المعارضة انتقدت توقيت الدعوة إلى انتخابات مبكرة، معتبرة أن رئيسة الوزراء تسعى إلى استثمار موجة الدعم الشعبي قبل أن تتبدد. غير أن معظم القوى السياسية، على اختلاف توجهاتها، أجمعت على رفض أي مساس بسيادة الدنمارك على جرينلاند، ما جعل الملف يتجاوز الانقسامات الحزبية التقليدية.
 

من الناحية الاستراتيجية، تعكس الأزمة أهمية القطب الشمالي في معادلات القوة العالمية. ذوبان الجليد بفعل التغير المناخي يفتح ممرات بحرية جديدة ويتيح الوصول إلى موارد طبيعية ضخمة، الأمر الذي يزيد من تنافس القوى الكبرى.

 بالنسبة لأمريكا، تمثل جرينلاند موقعا متقدما لمراقبة التحركات العسكرية في المنطقة القطبية. أما بالنسبة للدنمارك، فهي جزء لا يتجزأ من أراضي المملكة، ورمز لسيادتها ودورها في الشؤون القطبية.
 

من المتوقع أن تشكل الانتخابات المقبلة اختبارا حقيقيا لقيادة فريدريكسن. فإذا نجحت في تعزيز موقعها البرلماني، فستحصل على تفويض أقوى لإدارة العلاقة مع واشنطن ومواصلة نهجها القائم على التشدد في مسألة السيادة مع الحفاظ على التعاون الأمني. أما إذا تراجعت نتائجها، فقد تجد نفسها مضطرة إلى تشكيل تحالفات أوسع أو تقديم تنازلات سياسية داخلية.

 

وأصبحت أزمة جرينلاند عاملا مؤثرا في إعادة تشكيل المشهد السياسي الدنماركي. كما أن الانتخابات المبكرة تعكس إدراكا بأن التحولات الجيوسياسية الكبرى باتت تنعكس مباشرة على السياسات الوطنية، وأن قضايا الأمن والسيادة تحتل موضعا مركزيا في القرار الديمقراطي الداخلي. 

ومن المنتظر أن تحدد نتائج انتخابات الرابع والعشرين من مارس الاتجاه الذي ستسلكه الدنمارك في تعاملها مع واشنطن وفي تموضعها داخل معادلة التنافس المتصاعد في القطب الشمالي.