من أجراس "وستمنستر" إلى زنزانة الحجز.. "أندرو" يقضي عيد ميلاده الأول كمواطن مُهان
بعد اعتقاله الأسبوع الماضي، قضى أندرو أول عيد ميلاد له كمواطن بريطاني عادي في ظروف مهينة تماما بينما كانت احتفالاته السابقة فخمة ومترفة، ورصدت ريبيكا ميد على مجلة ذا نيويوركر مشاهد ولقطات ومحطات فارقة في حياة الأمير السابق شقيق الملك تشارلز الثالث، فعند ولادة الملكة إليزابيث الثانية لطفل في 19 فبراير 1960، كانت الولادة الأولى لملكة حاكمة منذ أكثر من قرن ما أفسح المجال لمناسبة للاحتفال العام.
ودقت أجراس دير وستمنستر لمدة ساعة كاملة، وقام سلاح الجو الملكي بعروض جوية في وسط لندن، فيما أطلقت المدافع تحية من هايد بارك وبرج لندن. وقد تم إخطار أسطول البحرية الملكية بوصول الأمير الذي لم يُعلن اسمه بعد، وكان مولد أندرو مصحوبا بتعليمات ملكية بتوزيع جرعة احتفالية من خمور الروم الفاخرة نظرا لرمزية المناسبة.
ومع مثل هذا الدخول الفخم إلى الحياة، قد يعتقد أي فرد أنه أعلى من مركزه خصوصًا إذا كان، كما هو الحال مع أندرو الشاب، الثاني في ترتيب ولاية العرش بعد شقيقه تشارلز في ذلك الوقت، وكان هناك فقط مركزان في الهرم الاجتماعي أعلى من مركزه فعليا. أما احتفالات أعياد الميلاد في السنوات التالية فلم تكن بالتأكيد لحثه على التواضع: فعند السادسة، تلقى أندرو سيارة ألعاب كهربائية من صناعة أستون مارتن مخصصة له، ولعيد ميلاده الحادي والعشرين أقيم حفل لحوالي ستمائة شخص في قصر ويندسور، وعند الثلاثين كان هناك حفل فاخر بعنوان "رقصة العقود" في قصر باكنجهام.
وعند بلوغه الأربعين، استأجر أندرو مع طليقته سارة فيرجسون وابنتيهما كبسولة من عجلة لندن آي، واشتكى الركاب الآخرون بشدة من تجاوزه لا لشيء إلا لأنه أمير ثم أقام حفلا يقال إنه تكلف ثلاثين ألف جنيه في منزلهم المشترك بسونينجهيل بارك في بيركشاير.
وقبل عيد ميلاده الخمسين، كما يروي أندرو لوني في سيرته الملكية المهمة، أخبر الأمير السابق أحد الصحفيين أنه لن يفعل "شيئًا كبيرا" للاحتفال. ولكن "شيئًا كبيرا" تبين أنه استقبال لحوالي ثلاثمائة شخص في قصر باكنجهام، تلاه في الليلة التالية حفل في قصر سانت جيمس، حيث تلقى الضيوف، بحسب لوني، ألبوما مصغرا يحتوي على صور أندرو كهدية تذكارية من الحفل.
كانت الصور، بالطبع، السبب الرئيسي لانهيار أندرو. ففي عام 2011، بعد يوم واحد من عيد ميلاده الحادي والخمسين، نشرت إحدى الصحف صورة له يسير إلى جانب المدان في الجرائم الجنسية جيفري إبستين بعنوان "الأمير آندي والمتهم بالتحرش الجنسي". وبعد ذلك بوقت قصير، نشرت صحيفة أخرى صورة من عام 2001 لأندرو ويده حول خصر فيرجينيا جيوفري البالغة من العمر سبع عشرة سنة، وفي الخلفية كانت جيزلين ماكسويل، شريكة إبستين السابقة والمُدانة منذ 2021 بتهريب الجنس، مبتسمة. وقد التقطت هذه الصورة قبل أقل من عام على حضور ماكسويل وإبستين ضيوفا في عيد ميلاد آخر لأندرو في قصر ويندسور.
ظل أندرو دائما يؤكد أنه لا يتذكر لقاءه بجيفري، وأنه لم يرتكب أي خطأ في أي من علاقاته مع إبستين، الذي توفي في مركز متروبوليتان الإصلاحي في نيويورك عام 2019 أثناء انتظاره المحاكمة بتهم تهريب القاصرات لممارسة البغاء. ومع ذلك، في عام 2011، تنحى أندرو عن دوره كسفير للتجارة الدولية في المملكة المتحدة بعد عقد من الزمن. وفي 2019، بعد مقابلة تلفزيونية كارثية اعترف فيها بأنه "خيب الآمال" بسبب علاقته بإبستين، انسحب أندرو من الواجبات الملكية.
وبعد أكثر من عامين بقليل، تم تجريد أندرو من رعاياته الملكية وأدواره العسكرية؛ وبعدها توصل إلى تسوية مالية يقال إنها بملايين الدولارات مع جيوفري في دعوى مدنية تتعلق بالتحرش الجنسي، دون أن يعترف بالمسؤولية.
وفي أكتوبر الماضي، ومع النشر بعد وفاة جيوفري لمذكراتها التي زعمت فيها أنها مارست الجنس مع أندرو ثلاث مرات، تخلى عن استخدام لقب دوق يورك. ثم فيما كان يبدو يوما تراجعت مستحيلا تم تجريده فعليا من مكانته الملكية بالكامل، ومن تم أعيد إلى مواطن عادي تحت اسم السيد أندرو ماونتباتن-وندسور.
وبالنسبة لرجل بنيت هويته على شعور بالتفوق الاجتماعي — وفقًا لكتاب لوني، إذا لم يلق أندرو الاحترام الكافي عند دخوله غرفة، كان يعلن بصوت عال: "لنحاول ذلك مرة أخرى" قبل أن يخرج ويعود ليؤدي الآخرون الانحناءات بسرعة، فإن هذا التراجع في المكانة كان إذلالا بالتأكيد وحتى الملك تشارلز الأول، الذي أُعدم بتهمة الخيانة عام 1649، ذهب إلى المقصلة كملك.
وفي الأسبوع الماضي، قضى أندرو أول عيد ميلاد له كمواطن عادي في ظروف مهينة، ففي حوالي الساعة الثامنة صباحا، تم اعتقاله في مزرعة ضمن ممتلكات الملك في ساندريجهام — ليس بسبب أي جرائم جنسية، بل للاشتباه بسوء السلوك في الوظيفة العامة.
ويبدو أن الاعتقال جاء نتيجة مستندات كشفت عنها مؤخرا وزارة العدل الأمريكية، تشير إلى أنه أثناء عمله كمبعوث تجاري، شارك معلومات سرية مع إبستين. (حتى لحظة كتابة هذا التقرير، لم توجه إليه أي تهمة). وحددت الشرطة هويته بأنه "رجل في الستينيات من عمره من نورفولك"، وكان أندرو أول عضو رفيع في العائلة المالكة يعتقل منذ تشارلز الأول، وأمضى حوالي إحدى عشرة ساعة في الحجز قبل الإفراج عنه تحت التحقيق. وعند مغادرة سيارته مركز الشرطة، التقط أحد المصورين صورة لا تُنسى له وهو متهدل في المقعد الخلفي، عينيه متسعتان وفمه مفتوح الصبي الذي كانت الأجراس تدق من أجله يبدو الآن كرجل دقت أجراس النهاية من أجله.
وأشارت نيويوركر إلى أن أندرو ليس العضو الوحيد البارز في المؤسسة البريطانية الذي دمرت سمعته على الأقل نتيجة ارتباطه بإبستين. فهناك أيضا بيتر ماندلسون، السفير السابق لدى الولايات المتحدة، ويخضع للتحقيق لتسريبه معلومات سرية إلى الممول. (ماندلسون لم يعتقل ولم يتهم، وذكرت هيئة الإذاعة البريطانية أنها تفهم أن "موقفه أنه لم يتصرف بأي شكل إجرامي"). وقد هزت هذه الفضيحة رئيس الوزراء كيير ستارمر، رغم أنه لم يلتقي بإبستين أبدا. وقال ستارمر في مقابلة تلفزيونية أثناء اعتقال أندرو: "لا أحد فوق القانون".
وفي بريطانيا، استنادا إلى الأدلة الحالية، يبدو أن ذلك صحيح: فقد وعد المحققون بـ "الدعم الكامل" من الملك، الذي أصدر بيانا أثناء احتجاز شقيقه بأن "القانون يجب أن يأخذ مجراه". ومن اللافت، بالمقابل، أن السلطات الأمريكية لا تبدو مستعدة أو قادرة على مساءلة الرجال الأقوياء الذين ارتبطوا بإبستين. وعند سؤال الرئيس ترامب عن احتمال اعتقال المزيد من شركاء إبستين السابقين، أجاب: "حسنًا، كما تعلمون، أنا خبير بطريقة ما، لأنني تبرأت تمامًا"، متهربا من الإجابة لكنه أشار إلى أن الأحداث "محزنة جدًا جدًا" للعائلة الملكية، كما لو كانت مسألة محلية بين البريطانيين المترفين، دون أي تبعات على النخبة الأمريكية. لا يزال مصير أندرو القانوني يتكشف، ولكن مهما كانت المستقبل، فالحفلة قد انتهت بالنسبة له. فمتى ستنتهي للآخرين؟