< اليمن يتحول من ساحة حرب أهلية إلى عقدة أمن بحري دولي تربك حسابات التجارة العالمية
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

اليمن يتحول من ساحة حرب أهلية إلى عقدة أمن بحري دولي تربك حسابات التجارة العالمية

الرئيس نيوز

رجح موقع يورآسيا ريفيو أن اليمن لا يزال يمثل إحدى أكثر بؤر الصراع تعقيدا في النظام الدولي المعاصر، ليس فقط بسبب الحرب الأهلية المستمرة منذ أكثر من عقد، بل بسبب موقعه الجغرافي الحرج على مضيق باب المندب، أحد أكثر الممرات البحرية ازدحاما في العالم. 

هذا الموقع جعل من النزاع اليمني ملفا يتجاوز حدوده الوطنية، ليمس بشكل مباشر أمن البحر الأحمر، وسلاسل الإمداد العالمية، والسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.

صراع غير محسوم

منذ عام 2015، تخوض اليمن حربا أهلية بين الحكومة المعترف بها دوليا وجماعة أنصار الله (الحوثيين) المدعومة من إيران، والتي تسيطر على معظم شمال غرب البلاد بما في ذلك العاصمة صنعاء. 

وعلى الرغم من الهدنة الهشة التي جمدت خطوط القتال منذ عام 2022، فإن الصراع لم يُحل جذريًا، بل دخل مرحلة “الجمود المسلح”، حيث تتراكم القدرات العسكرية وتنتظر الأطراف لحظة الانفجار التالية.

البحر الأحمر: من شريان تجارة إلى ساحة صراع

اكتسب الصراع اليمني بعدا دوليا غير مسبوق منذ أكتوبر 2023، عندما بدأ الحوثيون بشن هجمات منظمة على السفن التجارية العابرة للبحر الأحمر، عقب اندلاع الحرب في غزة. 

هذه الهجمات شملت صواريخ بعيدة المدى، وطائرات مسيرة، ومحاولات اختطاف سفن، ما أدى إلى اضطراب واسع في حركة الشحن العالمية وارتفاع تكاليف التأمين وإعادة توجيه السفن بعيدًا عن قناة السويس.

ورغم توقف الهجمات مؤقتا مطلع 2025، فإن الحوثيين عادوا لاستهداف سفن غير أمريكية في منتصف العام، مع الاستمرار في شن ضربات بعيدة المدى على أهداف داخل إسرائيل، معتبرين ذلك ورقة ضغط مرتبطة بسير الحرب في غزة. وقد توقفت هذه الهجمات فقط بعد وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس في أكتوبر 2025، مع تحذير حوثي صريح بإمكانية استئنافها إذا تجدد القتال.

بين مارس ومايو 2025، وسعت الولايات المتحدة عملياتها العسكرية ضد الحوثيين في محاولة لفرض حرية الملاحة في البحر الأحمر. غير أن هذه الحملة انتهت باتفاق غير معلن بوساطة سلطنة عمان، تعهّد بموجبه الحوثيون بعدم استهداف السفن الأمريكية، مقابل وقف الضربات الأمريكية داخل اليمن.

إلا أن هذا الترتيب كشف عن محدودية الردع العسكري، إذ لم يمنع الحوثيين من تهديد سفن أخرى، ولم ينهِ قدرتهم على تعطيل الملاحة الدولية. 

وقد أقرّت القيادة المركزية الأمريكية بأن ضمان أمن البحر الأحمر يتطلب “نهجا حكوميا شاملا”، وليس حلولا عسكرية فقط.

تصعيد سياسي: تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية

 في مارس 2025، أعادت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية أجنبية، في خطوة عكست تحولا واضحا في السياسة الأمريكية من إدارة الصراع إلى محاولة خنق موارد الحوثيين المالية والعسكرية. 

كما دعمت واشنطن إنهاء مهمة الأمم المتحدة لمراقبة اتفاق الحديدة، معتبرة أن الآلية فقدت فعاليتها.

وفي يناير 2026، شددت واشنطن داخل مجلس الأمن على ضرورة حرمان الحوثيين من الموارد، في وقت مدد فيه المجلس قراراته المتعلقة بوقف الهجمات البحرية حتى منتصف 2026.

انقسامات الداخل اليمني

لم يعد الصراع محصورًا بين الحكومة والحوثيين. ففي أواخر 2025، تدخلت السعودية عسكريا ضد المجلس الانتقالي الجنوبي بعد سيطرته على عدن ومحافظات شرقية، ما أدى إلى تفكيك المجلس وإعادة هيكلة القيادة السياسية اليمنية. 

كما انسحبت القوات الإماراتية من اليمن وسط اتهامات متبادلة بين الرياض وأبوظبي.

إنسانيا، يعيش أكثر من 19.5 مليون يمني في حاجة ماسة للمساعدات، بينما تعاني خطط الإغاثة الأممية من فجوة تمويلية حادة. 

وفي تطور خطير، بدأت منظمات دولية، بينها برنامج الأغذية العالمي، تقليص عملياتها في المناطق الخاضعة للحوثيين بسبب المخاطر الأمنية واحتجاز العاملين.

تشير التقديرات الغربية إلى أن الحوثيين، بدعم خارجي وتراكم خبرات قتالية، باتوا قادرين على تهديد الملاحة الدولية بشكل مستدام، حتى دون سيطرتهم على البحر الأحمر فعليًا. 

وفي المقابل، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام معضلة استراتيجية تتمثل في كيفية حماية التجارة العالمية دون الانجرار إلى حرب مفتوحة جديدة في اليمن.