< 100 عام على فتح غرفة دفن توت عنخ آمون بين الإنجاز العلمي والاستحواذ الثقافي
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

100 عام على فتح غرفة دفن توت عنخ آمون بين الإنجاز العلمي والاستحواذ الثقافي

الرئيس نيوز

أعادت الذكرى المئوية لفتح غرفة دفن الملك توت عنخ آمون إلى الواجهة أحد أكثر الأحداث الأثرية إثارة في القرن العشرين، حيث كشف علماء الآثار في السادس عشر من فبراير عام 1923 عن الغرفة الداخلية للمقبرة رقم 62 في وادي الملوك، بعد شهور من العمل الدقيق الذي قاده عالم الآثار البريطاني هوارد كارتر. 

شكّل هذا الحدث لحظة فارقة في تاريخ علم المصريات، إذ غيّر فهم العالم لطبيعة الدفن الملكي في مصر القديمة، وفتح الباب أمام موجة اهتمام عالمية بالحضارة الفرعونية لم تخفت حتى اليوم، وفقًا لصحيفة لوموند الفرنسية.

وركزت الصحافة الغربية، خصوصًا في بريطانيا وفرنسا، على تصوير الاكتشاف بوصفه إنجازًا علميًا استثنائيًا، وأبرزت قدرة العلم الحديث على اختراق طبقات الزمن واستعادة تفاصيل دقيقة عن عالم مضى منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام. 

واحتفت شبكة يورونيوز بالدور الذي لعبته المقبرة شبه السليمة في إعادة بناء صورة متكاملة عن الطقوس الجنائزية الملكية، من ترتيب التوابيت المتداخلة إلى الرموز الدينية المنقوشة على الجدران والأثاث الجنائزي، مقدمة الاكتشاف باعتباره كنزًا معرفيًا لا يقل قيمة عن الذهب الذي ملأ الغرفة.

وسلطت صحيفة الجارديان البريطانية الضوء على السياق التاريخي للاكتشاف، وربطته باللحظة السياسية التي عاشها العالم بعد الحرب العالمية الأولى، حيث بحثت المجتمعات الأوروبية عن قصص أمل وإنجاز تعيد إليها الثقة بالعلم والتقدم. 

وأشارت الصحيفة إلى أن قصة توت عنخ آمون لم تنتشر فقط بسبب قيمتها العلمية، بل أيضًا بسبب التغطية الإعلامية المكثفة التي استخدمت صورًا أيقونية وحكايات مشوقة غذّت خيال الجمهور وأسهمت في خلق ما وصفته الصحافة حينها بـ"هوس مصر القديمة".

وأعاد هذا الزخم الإعلامي إنتاج الحدث بوصفه قصة بطولية لعالم غربي يكتشف أسرار الشرق القديم، لكن صحافة أوروبية معاصرة بدأت تفكك هذه الرواية الأحادية، وتطرح أسئلة أكثر تعقيدًا حول من يملك حق رواية التاريخ. 

وناقشت تحليلات ثقافية نشرتها مؤسسات أكاديمية أوروبية كيف همشت التغطيات المبكرة دور العمال المصريين الذين شاركوا فعليًا في أعمال الحفر والتنقيب، وركزت الضوء على اسم واحد، بينما تجاهلت السياق المحلي والإنساني للاكتشاف.

وانتقلت بعض المنصات الصحفية من الاحتفاء إلى النقد الأخلاقي الصريح، خصوصًا عند إعادة فحص ما جرى للمومياء نفسها بعد فتح غرفة الدفن. وكشفت تقارير علمية حديثة، تداولتها صحف ومواقع علمية أوروبية، عن استخدام أدوات وأساليب قاسية أثناء محاولة فصل الجسد عن الراتنجات الصلبة التي التصقت به عبر القرون، ما أدى إلى أضرار جسدية جسيمة، من بينها انفصال الرأس عن الجسد.

وأثارت هذه المعطيات نقاشًا واسعًا حول حدود الممارسة العلمية عندما تغيب الاعتبارات الأخلاقية واحترام الجسد الإنساني. وقدمت مجلة Conservation طرحًا أكثر جدية، حين ربطت بين ما جرى في عشرينيات القرن الماضي والعقلية الاستعمارية التي سادت آنذاك، معتبرة أن التعامل مع آثار مصر القديمة اتخذ في كثير من الأحيان طابع الاستحواذ الثقافي، لا الشراكة المعرفية.

ورأت هذه التحليلات أن فتح المقبرة لم يكن حدثًا علميًا معزولًا، بل جرى في سياق سياسي شهد تصاعد الحركة الوطنية المصرية، ما منح الاكتشاف دلالات رمزية تجاوزت حدود علم الآثار إلى أسئلة السيادة والهوية.

وناقشت لوموند صحفًا فرنسية كيف تحول توت عنخ آمون في الخيال الأوروبي إلى رمز ثقافي عالمي، واستخدمت قصته لتغذية صورة رومانسية عن الشرق القديم، في الوقت الذي غابت فيه الأصوات المحلية عن السردية السائدة. 

دفعت هذه القراءة النقدية إلى إعادة تقييم الدور الذي لعبته المؤسسات الغربية في تشكيل فهم العالم للحضارة المصرية، وإلى التساؤل عن الكيفية التي يجب أن تروى بها مثل هذه الاكتشافات اليوم بمساهمات مصريين من ذوي الخبرة والاختصاص.

وتطرح الذكرى المئوية، وفق هذه الأساليب الصحفية متعددة التناول، فرصة لإعادة كتابة القصة من منظور أكثر توازنًا، يعترف بقيمة الإنجاز العلمي، ولا يتجاهل في الوقت نفسه الثمن الإنساني والثقافي الذي دفع. 

وتدعو تحليلات أوروبية حديثة إلى اعتماد معايير أخلاقية أكثر صرامة في علم الآثار، وإلى إشراك المجتمعات المحلية في إدارة تراثها وسرد تاريخها، بدل الاكتفاء بنقل القطع والقصص إلى متاحف غربية.

وأجمعت الصحافة الغربية، رغم اختلاف زواياها، على أن فتح غرفة دفن توت عنخ آمون أصبح مرآة تعكس العلاقة المعقدة بين العلم والسلطة والهوية. تفرض هذه الذكرى قراءة نقدية لا تنفي الإنجاز، لكنها تضعه في سياقه الكامل، وتحول الحدث من لحظة احتفال عابر إلى درس مستمر حول كيفية التعامل مع الماضي واحترامه، بوصفه تراثًا إنسانيًا مشتركًا لا مادة للعرض والاستهلاك فقط.