مغامرات أديس أبابا البحرية قد تنتهي بإشعال فتيل "حرب شاملة" في القرن الأفريقي
لم يعد المشهد في القرن الأفريقي محكومًا بقواعد الاستقرار التي سادت على مدار ثلاثة عقود؛ فاليوم تقود إثيوبيا هجوما دبلوماسيا وميدانيا يهدف إلى تقويض النظام الإقليمي القائم، وقد يترتب عليه زعزعة استقرار المنطقة كأحد أخطر الآثار الجانبية.
وأشار المجلس الأطلسي، ومقره واشنطن، إلى أن هذا التحول الهيكلي، الذي يتجاوز مفهوم "التنوع اللوجستي"، يبدو في جوهره محاولة إثيوبية لفرض واقع جيوسياسي جديد عبر العبث بحدود الجيران وجوهر سيادتهم، مما أدخل المنطقة في نفق مظلم من "الحرب الباردة" التي تهدد بانفجار عسكري وشيك.
استهداف جيبوتي: محاولة خنق "الدولة البوابة"
منذ أواخر التسعينيات، مثلت جيبوتي صمام أمان لاستقرار التجارة الإثيوبية، إلا أن أديس أبابا بدأت تتململ وتسعلا إلى الانقلاب على هذا الشريك الاستراتيجي.
وأشارت صحيفة أديس ستاندرد إلى أن الهجوم الإثيوبي الحالي لا يستهدف فقط رسوم الموانئ، بل يسعى لضرب العمق المالي والسياسي لجيبوتي، ويتم ذلك عبر استغلال الأزمات؛ إذ توظف أديس أبابا التقارير الدولية حول ديون جيبوتي (التي بلغت 70% من الناتج المحلي) كذريعة للتنصل من التزاماتها التاريخية.
وبالتوازي، تمارس أديس أباب الضغوط السياسية عبر استغلال حالة الترقب لانتخابات أبريل 2026 في جيبوتي لتمرير أجندات توسعية تضعف موقف الرئيس إسماعيل عمر جيله وتحوله من شريك أساسي إلى طرف محاصر في أزماته الداخلية.
المقامرة بسيادة الصومال: مذكرة التفاهم كـ "خنجر" في خاصرة الإقليم
تمثل مذكرة التفاهم الموقعة في يناير 2024 بين إثيوبيا وإقليم "أرض الصومال" الانفصالي ذروة العبث الإثيوبي بالشرعية الدولية. هذا التحرك ليس مجرد "تعديل لوجستي"، بل هو انتهاك صريح لسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية، عن طريق شرعنة الانفصال؛ فمن خلال السعي للحصول على موطئ قدم عسكري وبحري في "بربرة"، تمنح إثيوبيا اعترافا ضمنيا بكيان غير معترف به دوليا، مما يفتح الباب أمام موجة من الحركات الانفصالية في القارة السمراء، أما عن عسكرة البحر الأحمر، فقد رصد المراقبون الإصرار على بناء قاعدة عسكرية تحت غطاء "التجارة" ما كشف عن نوايا إثيوبيا في الهيمنة العسكرية على الممرات الملاحية الدولية.
حائط الصد" العربي والإقليمي: تكتل الدفاع ضد التوسع
أدى العبث الإثيوبي إلى رد فعل إقليمي حازم، حيث تبلور "التحالف الثلاثي" (مصر، إريتريا، الصومال) كقوة ردع استراتيجية، وحرصت الدول الثلاث على تأكيد رسالة واحدة واضحة بأن أمن الصومال ووحدته خط أحمر لا يمكن تجاوزه، وأدركت الرياض خطورة الاندفاع الإثيوبي المدعوم إماراتيًا، فانحازت بوضوح لدعم التكتل العربي-الأفريقي لاستعادة التوازن المفقود في البحر الأحمر ومنع أي قوى غير مشاطئة من العبث بمضيق باب المندب.
الالتفاف على القانون الدولي
تحاول أديس أبابا بالتعاون مع قيادة "أرض الصومال" تبييض وجه الاتفاق عبر ما يسمى بـ "عقيدة إيرو" (السيادة عبر التجارة) وهذه العقيدة ليست سوى محاولة لفرض "الأمر الواقع" من خلال آليتين رئيسيتين الأولى هي التضليل الاقتصادي؛ أي إعادة تسويق الوجود العسكري الإثيوبي كمشروع بنية تحتية لجذب الشركات العالمية وتوريطها في نزاع سيادي، والثانية هي آلية الاستقواء بالمحاور، وتتمثل في استغلال الشراكات مع أطراف إقليمية لخلق غطاء مالي وسياسي لمشاريع تضرب في صميم العمل الأفريقي المشترك ومبادئ الاتحاد الأفريقي.
السيناريوهات المظلمة: هل تصدر إثيوبيا أزماتها للخارج؟
تواجه إثيوبيا ضغوطًا داخلية هائلة، ويرى مراقبون أن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يلجأ لاستراتيجية "الهروب إلى الأمام" عبر خلق أزمات خارجية مفتعلة، وخلص الخبراء إلى أن إثيوبيا قد تدفع المنطقة نحو صدام مسلح مباشر لتغطية فشلها في الملفات التنموية والأمنية الداخلية، علاوة على تنسيق الجهود مع ميليشيات محلية ومحاولة زعزعة استقرار جيبوتي والصومال قد يؤدي إلى ارتدادات عكسية تنتهي بتفكك الكيانات الهشة في القرن الأفريقي برمتها.
ويرى المراقبون أن اندفاع إثيوبيا المحموم نحو البحر الأحمر ليس "بحثًا عن مخرج"، بل هو مقامرة تهدف إلى هدم جدران النظام الإقليمي القديم دون بناء بديل آمن، ولفتوا إلى أن الإصرار على انتهاك سيادة الصومال ومحاصرة جيبوتي لا ينهي الاحتكار، بل يفتح أبواب الجحيم على منطقة لا تحتمل المزيد من الحروب، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية تاريخية لكبح جماح هذا "العبث" قبل فوات الأوان.