إسرائيل تلمح إلى موقف أكثر عدوانية في غزة: مستعدون للانتقال من الدفاع إلى الهجوم
في وقت لا تزال فيه الهدنة الهشة في قطاع غزة صامدة شكليا، تتزايد المؤشرات على أن إسرائيل تتهيأ لمرحلة أكثر صرامة في إدارتها للملف العسكري هناك. إلا أن تبادل إطلاق النار، وسقوط قتلى فلسطينيين وفقا لوزارة الصحة في غزة، مقابل استمرار سقوط جنود إسرائيليين منذ بدء وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، يعكس واقعا ميدانيا متوترا لا ينسجم مع صورة “التهدئة المستقرة”.
في هذا السياق، صدرت تصريحات واضحة من القيادة العسكرية الإسرائيلية تؤكد الاستعداد “للانتقال من الدفاع إلى الهجوم” إذا لم يتحقق هدف نزع سلاح حماس بالكامل، في إشارة مباشرة إلى أن المرحلة الحالية قد لا تكون سوى محطة مؤقتة في صراع لم يحسم بعد، وفقا لصحيفة جيروزاليم بوست.
وتستند هذه اللهجة المتشددة إلى ما تعتبره إسرائيل إخفاقا في تنفيذ أحد أهم بنود خطة السلام ذات النقاط العشرين التي أقرها مجلس الأمن في نوفمبر 2025.
تجدر الإشارة إلى أن المرحلة الأولى من الاتفاق، والتي شملت إطلاق سراح رهائن إسرائيليين انسحابا جزئيا للقوات ووقف العمليات الواسعة، أُنجزت بصعوبة. إلا أن المرحلة الثانية، التي يفترض أن تتضمن نزع سلاح حماس بالكامل، وانسحابا إسرائيليا كاملا، وتشكيل إدارة تكنوقراطية لغزة، لا تزال تراوح مكانها وسط تبادل الاتهامات بشأن انتهاكات الهدنة.
وأكد رئيس الأركان الإسرائيلي، الفريق إيال زامير، أمام قواته المنتشرة على طول ما يعرف بـ“الخط الأصفر” أن إسرائيل “لن تتخلى عن هدف الحرب المتمثل في نزع السلاح الكامل من غزة”.
هذا الخط، الذي نشأ بموجب ترتيبات وقف إطلاق النار، يقسم القطاع إلى مناطق تخضع لسيطرة إسرائيلية وأخرى لإدارة فلسطينية، ما خلق واقعا جغرافيا وأمنيا جديدا قد يتحول، وفق بعض التقديرات، إلى وضع طويل الأمد إذا لم تستكمل العملية السياسية.
من وجهة نظر إسرائيلية، تظهر التقديرات الأمنية أن حماس تعمل على إعادة بناء قدراتها العسكرية عبر تجنيد عناصر جديدة، وإعادة تفعيل شبكات القيادة والسيطرة، ومحاولة تصنيع أسلحة محليا أو إعادة تدوير ذخائر غير منفجرة.
كما تتحدث تقارير عن جهود لإعادة ترميم شبكة الأنفاق واستعادة بعض القدرة الصاروخية. هذه المعطيات تستخدم لتبرير التحذير من أن أي تلكؤ في نزع السلاح قد يدفع جيش الاحتلال إلى استئناف عمليات هجومية مركزة أو أوسع نطاقا.
في المقابل، يرى بعض المحللين أن المشهد الحالي يمثل حالة “توازن هش” يستفيد منها الطرفان سياسيًا. فاستمرار الوجود الإسرائيلي في أجزاء واسعة من القطاع يُمكّن تل أبيب من القول إن غيابها الكامل سيضاعف المخاطر الأمنية، بينما يسمح لحماس بالحفاظ على حضورها في مناطق أخرى وإعادة تنظيم صفوفها. هذا الوضع، وإن بدا غير مستقر، قد يتحول إلى صيغة شبه دائمة إذا غابت الإرادة السياسية لتغييره جذريا.
وتسير التحركات الدبلوماسية بالتوازي مع هذا التصعيد الكلامي. ويسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إطلاق المرحلة الثانية من الاتفاق، والتي تشمل خطة إعادة إعمار بمليارات الدولارات، وتشكيل “قوة استقرار دولية” تتولى تدريب شرطة محلية وتأمين الحدود والمساعدة في نزع سلاح حماس. مشاركة إسرائيل في “مجلس السلام” المرتقب بواشنطن تعكس إدراكا لأهمية الغطاء الأمريكي، لكنها لا تلغي استعدادها للعودة إلى الخيار العسكري إذا رأت أن المسار السياسي لا يحقق أهدافها الأمنية.
ويزيد العامل الإقليمي الصورة تعقيدا؛ فالتوترات مع إيران، والجدل حول برنامجها النووي، يضعان غزة ضمن سياق أوسع من المواجهة غير المباشرة. إسرائيل تعتبر أن أي تساهل مع حماس قد يقرأ في طهران كضعف استراتيجي، بينما تخشى أطراف دولية أن يؤدي التصعيد في غزة إلى تقويض مساعي التهدئة الأوسع في المنطقة.
كذلك، فإن مواقف بعض الدول العربية، التي أبدت دعما ضمنيا لاستمرار الوجود الإسرائيلي في مناطق معينة من القطاع، تكشف عن تقاطعات مصالح غير معلنة تعيد تشكيل خريطة التحالفات.
ميدانيا، لا تزال الاشتباكات المحدودة والضربات الموضعية تبقى احتمالات الانفجار قائمة.
وبات السيناريو الأكثر ترجيحا، وفق تقديرات إسرائيلية، عدم العودة إلى حرب شاملة كالتي استمرت عامين بعد أكتوبر 2023، بل اعتماد نمط قائم على عمليات دقيقة تستهدف إبطاء تعافي حماس وتحويل “الخط الأصفر” إلى حدود أمنية فعلية. غير أن التاريخ القريب للصراع في غزة يظهر أن الاحتكاكات المحدودة كثيرا ما تتدحرج إلى مواجهات أوسع.
ويرى الخبراء أن غزة تقف عند مفترق طرق بين مسارين متوازيين: يتمثل المسار الأول في دبلوماسية بطيئة تحاول تثبيت هدنة وتحويلها إلى ترتيب سياسي جديد، والثاني في خيار عسكري جاهز للعودة إذا اعتبر أن الهدف المركزي – نزع سلاح حماس – لم يتحقق.
إلا أن تصريحات "الانتقال من الدفاع إلى الهجوم" تأتي تعبيرا عن عقيدة ترى أن إنهاء التهديد يتقدم على حسابات التهدئة المؤقتة.
وبينما يترقب الوسطاء تقدم المرحلة الثانية من الاتفاق، يبقى القطاع أسير معادلة دقيقة قد تنقلب في أي لحظة من هدوء حذر إلى مواجهة مفتوحة، وفقا للصحيفة الإسرائيلية.