< الغارات الإسرائيلية اليومية تهدد سبل العيش والاستقرار في جنوب لبنان
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

الغارات الإسرائيلية اليومية تهدد سبل العيش والاستقرار في جنوب لبنان

الرئيس نيوز

تواجه بلدات الجنوب اللبناني أزمة إنسانية واقتصادية خانقة بعد مرور أكثر من عام ونصف على وقف إطلاق النار الموقع في نوفمبر 2024 بين إسرائيل وحزب الله. ورغم الإعلان الرسمي عن انتهاء الأعمال القتالية، واصلت إسرائيل خرق الاتفاق عبر غارات يومية واحتلال خمسة تلال استراتيجية إضافة إلى أراضٍ أخرى تحت سيطرتها منذ سنوات، ما جعل حياة السكان على الحدود أقرب إلى الحصار، وفقا لصحيفة تورنتو ستار الكندية.

وأدت هذه الانتهاكات إلى مقتل المئات وإصابة الآلاف منذ اندلاع المواجهات في أكتوبر 2023، والتي تحولت إلى حرب شاملة بحلول سبتمبر 2024 قبل توقيع الهدنة. ورغم مطالبات السلطات اللبنانية بوقف العدوان وإنهاء الاحتلال، لم تحقق هذه الدعوات أي نتيجة ملموسة، فيما يعيش السكان صراعًا يوميًا من أجل البقاء وسط ركود اقتصادي وتوتر أمني دائم.  

ووفقا لصحيفة آراب ويكلي، وصف مسؤولون محليون القرى الحدودية بأنها "تحت حصار فعلي"، إذ تعرقل القيود الأمنية اللبنانية والغارات الإسرائيلية المتكررة الأنشطة الزراعية والرعوية والتجارية. 

وأوضح قاسم القادري، رئيس اتحاد بلديات العرقوب في قضاء حاصبيا، أن الأهالي عادوا إلى قراهم قبل عام في ظروف بالغة الصعوبة بعد موجات نزوح متكررة، حيث وجدوا منازل بلا أبواب أو نوافذ، ومن دون كهرباء أو مياه. ورغم جهود محلية لإعادة بعض الخدمات، بقيت مناطق واسعة خارج الخدمة بسبب توسع الاحتلال عبر "مناطق نيران عشوائية" تهدف إلى ترهيب السكان ودفعهم إلى الرحيل.  

وتمتد القرى من شبعا وكفرشوبا وكفرحمام وصولًا إلى راشيا والماري، حيث يواجه الأهالي ما يشبه "حصارا إسرائيليا فعليا" يمنعهم من الوصول إلى أراضيهم الزراعية ومراعيهم الطبيعية. واضطر مربو المواشي إلى شراء الأعلاف بدلًا من الرعي الحر في الجبال، ما زاد الأعباء المالية وخفض الإنتاج الزراعي. وأكد القادري أن فرص العمل شبه متوقفة وأن سبل العيش "مسدودة بالكامل"، داعيًا الدولة اللبنانية إلى منح هذه المجتمعات الحدودية "وضعًا خاصًا ودعمًا استثنائيًا" لتفادي نزوح جديد.  

وتحدث القادري عن استهداف متكرر للمنازل والطرق والمدارس، ما يهدد حياة المدنيين والأطفال. ورغم تراجع وتيرة الهجمات قليلًا في الأسابيع الأخيرة، بقي الخوف والقلق مسيطرين. وتعتبر المدارس ركنًا أساسيًا لبقاء العائلات في قراها، وأي إغلاق قد يؤدي إلى نزوح جماعي.  

ومن جانبه، أدان الرئيس اللبناني جوزيف عون قيام الطائرات الإسرائيلية برش مواد سامة فوق قرى الجنوب، واعتبر ذلك "انتهاكًا صارخًا للسيادة اللبنانية وجريمة بيئية وصحية ضد المواطنين". وكلف وزارة الخارجية إعداد ملف مفصل بالتعاون مع وزارات الزراعة والبيئة والصحة لطرحه في المحافل الدولية. من جهتها، وصفت قوات "اليونيفيل" العملية بأنها "غير مقبولة"، محذرة من خطرها على المدنيين والعاملين الدوليين وعلى الأراضي الزراعية.  

وانعكس الوضع الأمني مباشرة على الاقتصاد المحلي. وقال سائق حافلة مدرسية من شبعا، سلام غياض، إن "الظروف المعيشية بالغة السوء"، مشيرًا إلى توقف النشاط الاقتصادي وانعدام الخدمات، ما أفقد العاملين في النقل المدرسي مصدر دخلهم وترك العائلات عاجزة عن دفع نفقات التعليم. وفي بلدة الخيام، وصف محمد عبد الله الوضع الاقتصادي بأنه "كارثي"، مؤكدًا أن البلدة التي كانت مركزًا تجاريًا حيويًا شهدت انهيارًا في النشاط بسبب القصف المتكرر، فأغلقت المحال التجارية وغادر كثير من السكان، فيما بدت الطرق شبه خالية خوفًا من الهجمات.  

وحذر مسؤولون محليون من أن استمرار الضغوط الأمنية والأزمة الاقتصادية قد يؤدي تدريجيًا إلى تفريغ القرى الحدودية من سكانها، ما يهدد النسيج الاجتماعي والاقتصادي للمنطقة. وشددوا على ضرورة تعزيز الخدمات الأساسية، خصوصًا التعليم والبنية التحتية والدعم الاقتصادي، لضمان صمود الأهالي.  

 

وتبرر إسرائيل هذه الانتهاكات اليومية بالقول إن حزب الله يعيد بناء قدراته العسكرية بما يهدد أمن مستوطناتها الشمالية، لكن المدنيين هم من يدفعون الثمن الأكبر. وتتعثر جهود إعادة الإعمار بسبب القصف المستمر، حتى المبادرات الفردية غالبًا ما تُعرقل. وفي أغسطس 2025، ألزمت الحكومة اللبنانية جميع القوى، بما فيها حزب الله، بوضع السلاح تحت سلطة الدولة، لكن الحزب رفض وطالب بانسحاب إسرائيلي كامل ووقف الهجمات وإطلاق الأسرى وبدء إعادة الإعمار.  

 

وبهذا المشهد، يقف الجنوب اللبناني أمام تحديات وجودية، حيث تتقاطع الانتهاكات العسكرية مع الانهيار الاقتصادي، ما يهدد بتحويل القرى الحدودية إلى مناطق شبه مهجورة إذا لم تتدخل الدولة والمجتمع الدولي بشكل عاجل لدعم السكان وحماية استقرارهم.