< نكتة سياسية كاشفة.. 20 عاما من تكتيكات التفاوض الإيراني النووي
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

نكتة سياسية كاشفة.. 20 عاما من تكتيكات التفاوض الإيراني النووي

الرئيس نيوز

اعتمد النظام الإيراني منذ عام 2003 على استراتيجية تقوم على المماطلة والتأجيل في المفاوضات النووية، ففضل العمل في سرية وتكتم ليُحكم السيطرة على تدفق المعلومات ويُطيل أمد المحادثات. استخدم الإيرانيون هذه الأساليب لكسب الوقت وإرهاق الطرف الآخر، فحوّلوا كل جولة تفاوض إلى حلقة جديدة في دائرة مفرغة لا تنتهي، وفقا لصحيفة الإندبندنت البريطانية.

وروى الإيرانيون نكتة سياسية عن ثلاثة باحثين عربي وإيراني وأفغاني اعتقلتهم القوات الأمريكية في العراق بعد الغزو، وحكمت عليهم بالإعدام. رفض العربي طلب أي خدمة، فأعدم فورا، بينما بدأ الإيراني يطلب فرصة لشرح دوافعه وأهمية بحثه، فاستعجل الأفغاني قائلًا "أطلقوا النار علي الآن قبل أن يبدأ الإيراني في الحديث". هذه المزحة جسدت ميل الإيرانيين إلى الإطالة في الحوار والمناورة، وهو ما انعكس لاحقا على أسلوب النظام في التفاوض النووي.  

 

وكشف تقرير صادر عن منظمة "متحدون ضد إيران نووية" في أبريل 2025 عشرة أساليب تفاوضية اعتمدتها إيران لتحقيق مكاسب كبيرة مع تقديم أقل قدر من التنازلات. استخدمت إيران أسلوب الخداع عبر وعود غامضة، واستغلت صورة "المعتدلين" مقابل "المتشددين" لانتزاع تنازلات، وروجت لصفقات استثمارية وهمية ثم تراجعت عنها. أطلقت تهديدات مبالغ فيها لإثارة المخاوف من الحرب، واعتمدت لغة غامضة تسمح بالإنكار، ومارست المماطلة بتقديم تنازلات شكلية فقط. وظّفت سردية الضحية ما بعد الاستعمار لتبرير سلوكها، واستغلت الانقسامات داخل التحالفات الغربية، واتبعت عقلية "البازار" في المساومة، وأخيرًا لجأت إلى عمليات التأثير الإعلامي لتظهر كطرف عقلاني يقود الدبلوماسية.  

 

وبين عامي 2003 و2015، خاضت إيران اثني عشر عاما من المفاوضات المتعثرة، لكنها في الوقت نفسه طوّرت برنامجها النووي من قدرة محدودة إلى تشغيل 19 ألف جهاز طرد مركزي. أجبرها الاتفاق النووي عام 2015 على تقليص عدد الأجهزة وخفض مخزون اليورانيوم بنسبة 98 في المئة، لكن هذه الفترة سمحت لها بتعزيز قدراتها بشكل كبير.  

 

وانسحب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مايو 2018 من الاتفاق النووي، متهما إيران بعدم الشفافية وعدم كبح برنامج الصواريخ ودعم الجماعات المسلحة.  أعادت واشنطن فرض العقوبات المشددة ضمن حملة "الضغط القصوى"، فردت إيران بتقليص التزاماتها ثم التخلي عنها بالكامل في يناير 2020. كثفت إيران أنشطتها النووية بعد اغتيال محسن فخري زاده، وأقر البرلمان قانونًا يلزم باستئناف التخصيب بنسبة 20 في المئة وتشغيل أجهزة أكثر تطورا.

 

وعاد الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن إلى محاولة إحياء الاتفاق النووي عام 2021، لكن إيران واصلت استراتيجيتها المفضلة: الدخول في مفاوضات ثم الانسحاب منها، والمطالبة بضمانات إضافية. طالبت بإغلاق تحقيقات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، واستغلت القمع الداخلي ودعمها لروسيا في حرب أوكرانيا لتقليل رغبة الغرب في التفاوض. خلال هذه الفترة، رفعت إيران مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة، وهو مستوى يقترب من إنتاج أسلحة نووية.  

 

ومع عودة ترامب إلى البيت الأبيض في العام الماضي، استأنفت واشنطن ضغوطها القصوى. وشنت إسرائيل بدعم أمريكي حربًا خاطفة في يونيو 2025 عطلت قدرة إيران على تخصيب اليورانيوم وقصفت مخزوناتها تحت الأرض. 

واندلعت احتجاجات شعبية في ديسمبر، واجهها النظام بالقمع العنيف، فسقط آلاف المحتجين. هدد ترامب بالتدخل العسكري إذا لم تتوقف السلطات عن قتل المتظاهرين وتعود إلى المفاوضات، فاستغل النظام الفرصة ليعود إلى طاولته المفضلة.  

وبدأت إيران جولة جديدة من المفاوضات، ورددت شعار "البداية الجديدة"، لكنها انتهت إلى لا شيء. رفضت إيران إدراج برنامج الصواريخ في أي اتفاق، وتمسكت بحقها في التخصيب، بينما اعتبرت واشنطن هذين الشرطين أساسيين. في الوقت نفسه، كثفت إيران إعادة بناء برنامجها الصاروخي عبر استيراد مواد أساسية من الصين، وأعادت بناء مواقع استهدفتها إسرائيل.  

وأصر الإيرانيون على عقد المفاوضات في سلطنة عمان بدلًا من تركيا، وأطلقوا طائرة مسيرة باتجاه حاملة طائرات أمريكية، ونشروا زوارق لمضايقة ناقلة نفط أمريكية. فرضت واشنطن عقوبات جديدة على كيانات وسفن متورطة في تجارة النفط غير القانونية. عبّر نائب الرئيس جيه دي فانس عن إحباطه قائلًا إن "المرشد الأعلى هو من يتخذ القرارات وليس الرئيس الإصلاحي".  

وأكد الخبراء أن النظام الإيراني يفضل العمل في سرية، فيتحكم في تدفق المعلومات ويطيل أمد المحادثات لكسب الوقت. استخدم أساليب التأجيل والمعلومات المضللة ليواجه الضغوط الدولية، ويقدّم تنازلات شكلية فقط لتجنب العقوبات. ومع استعداد الولايات المتحدة لاستئناف المفاوضات، شدد الخبراء على ضرورة مواجهة هذه الأساليب بسرد مضاد يفضحها أمام الجمهور الإيراني والدولي.  

وأثبتت إيران خلال عقدين أنها تتقن لعبة التفاوض في دائرة مفرغة، فكل جولة تحولت إلى وسيلة لكسب الوقت وتعزيز القدرات النووية والصاروخية. لم ينجح الغرب في فرض التزامات حقيقية، بينما واصل النظام الإيراني استغلال المفاوضات لتخفيف الضغوط وتجنب العقوبات. 

ومع عودة ترامب إلى البيت الأبيض، بدا المشهد وكأنه يعيد إنتاج نفس السيناريو: ضغوط قصوى، احتجاجات داخلية، ومفاوضات جديدة تنتهي إلى لا شيء. هكذا تستمر الدائرة المفرغة الإيرانية، حيث يظل الهدف الحقيقي هو شراء الوقت وتثبيت النفوذ، بينما يظل المجتمع الدولي عالقًا في حلقة تفاوضية لا تنكسر.