بين المال والاستخبارات.. ماذا تكشف قصتا إبستين وماكسويل؟
يظل عالم أجهزة الاستخبارات وغموض الدوائر التي تدور في فلكه من أكثر المجالات غموضًا في المجتمعات المعاصرة، حيث تختلط الحقيقة بالتكهنات ويصبح من الصعب التفريق بين المعلومات الدقيقة والشائعات.
ووفقًا لمجلة "كونفرسيشن"، كشفت الملفات الأخيرة المتعلقة بالممول المشين جيفري إبستين، المعروف بشبكته في الاتجار بالبشر، مؤشرات جديدة حول احتمال قيامه بأداء خدمات لصالح واحدة أو أكثر من وكالات الاستخبارات الكبرى عبر العالم.
وبالتوازي، تركزت الأنظار على روبرت ماكسويل، والد صديقة إبستين السابقة جيسلين ماكسويل، وهو ناشر بريطاني بارز عاش حياة مليئة بالشائعات حول ارتباطه بأعمال استخباراتية. وبينما يُعرف إبستين أساسًا بجرائمه في مجال الاتجار بالجنس، وماكسويل بسرقته صناديق معاشات الموظفين، فإن قصتيهما تكشفان التداخل العميق بين المال والنفوذ والاستخبارات.
وتشير الدراسات الاستخباراتية إلى أن جمع المعلومات عن الدولة عادة ما يشمل ثلاث فئات رئيسية من الأشخاص. الفئة الأولى هي ضباط الاستخبارات، وهم موظفون بدوام كامل يعملون لصالح وكالات مثل MI6 البريطانية أو CIA الأميركية، ويديرون فرقًا من الوكلاء الذين قد لا يكونون موظفين رسميين للدولة، لكنهم يجمعون المعلومات ويؤدون مهام للاستخبارات بشكل احترافي وبسلوك مهني متعمد.
أما الفئة الثالثة، فهي ما يُعرف بالمطلعين أو الموارد البشرية، وهم أشخاص قد لا يكونون على علم بأنهم يقدمون معلومات لوكالات الاستخبارات، لكنهم يشكلون قناة قيمة للوصول إلى المعلومات أو الشخصيات المؤثرة.
وتكمن قيمة هؤلاء المطلعين أو "وكلاء الوصول" ليس في المعلومات التي يمتلكونها مباشرة، بل في القدرة على الوصول الاجتماعي والمهني إلى أشخاص يمتلكون هذه المعلومات. فالأشخاص في الأوساط الرفيعة، والبحث العلمي، والبنوك، والسياسة، والثقافة يمثلون أهدافًا مثالية لهذا النوع من الوكلاء. ومن وجهة نظر الوكالات، فإن أفضل هؤلاء الوكلاء هم من يمكن إنكار علاقتهم بالاستخبارات، ويعملون تحت الرادار.
وقد برز مثال ذلك في شخصيات مثل ماكسويل وإبستين، اللذين امتلكا المال والقدرة على التنقل والواجهة الاجتماعية، ما جعلهما مرشحين مثاليين نظريًا لتلبية احتياجات الوكالات الاستخباراتية.
ومع ذلك، بدلًا من الانغماس في التكهنات حول إبستين وماكسويل، من الأهم دراسة مفهوم "وكلاء الوصول" بشكل أدق، حيث إن كثيرًا منهم من رجال الأعمال أو الأكاديميين أو الصحفيين الذين يسافرون لأسباب مهنية مشروعة ويستفيدون من فرص لقاء شخصيات نافذة ضمن دوائرهم الطبيعية.
هؤلاء الوكلاء مدربون على أن يكونوا "الصديق الذي يفتقده المطلع"، فيقدمون ما يحتاجه المصدر ولا يستطيع الحصول عليه، سواء كانت معلومات داخلية، أو تمهيدًا لعلاقات مهمة، أو دعمًا ماليًا، أو حتى شركاء اجتماعيين.
وتوضح وكالة الأمن البريطاني MI5 على موقعها الرسمي أن هؤلاء الوكلاء يعملون عبر استغلال العلاقات الموثوقة والمواقع المهنية للحصول على معلومات حساسة، كما يبحثون أيضًا عن نقاط ضعف لدى من يتعامل مع الأسرار.
وتظل الحقيقة في عالم الاستخبارات غامضة، وتندر الأدلة القطعية التي تثبت العلاقة بين الأشخاص والوكالات، لكن دراسة الأمثلة التاريخية مثل إبستين وماكسويل تفتح نافذة لفهم كيفية تفاعل المال والنفوذ والاستخبارات في آن واحد.