أزمة دويل تعصف بالثقة في "ستارمر" ومطالبات بإسقاط لقب "لورد"
سادت أجواء من الاضطراب السياسي في بريطانيا بعد كشف المستور حول علاقة مسؤول سابق في مكتب رئيس الوزراء كير ستارمر بشخص مدان في قضايا جنسية، ما أعاد فتح ملف التدقيق في أسماء الشخصيات العامة المرتبطة بأفراد أثبتت وثائقهم صلات بمتحرشين أو مدانين بجرائم جنسية، وأثار الأمر مطالبات واسعة بسحب ألقاب النبالة من بعضهم، خصوصًا اللقب الذي منح حديثًا للورد ماثيو دويل، المسؤول الإعلامي السابق في داونينج ستريت، وفقًا لصحيفة التايمز البريطانية.
بدأت القضية بعد أن أعلن عن تعليق عضوية "اللورد دويل" في حزب العمال البريطاني عقب الكشف عن أنه كان داعمًا سياسيًا لشخصية سياسية مدانة بجرائم تتعلق بصور غير لائقة للأطفال، وهي علاقة أثارت موجة انتقادات واسعة داخل الأوساط السياسية والإعلام البريطاني وألقت بظلالها على سمعة الحكومة الحالية، وفقًا لصحيفة فاينانشال تايمز.
وأضافت الصحيفة أن دويل، الذي شغل منصب رئيس الاتصالات في مكتب رئيس الوزراء قبل منحه لقب "لورد"، قد دافع في الماضي عن مؤيد مدان بجرائم جنسية خلال حملة انتخابية، وهو ما أدى إلى موجة احتجاجات كبيرة داخل حزب العمال وطالب عدد من النواب بسحب لقب النبالة الذي تم منحه له مؤخرًا، معتبرين أن ثقة الجمهور وتمثيل القيم التي يفترض أن يرمز إليها مجلس اللوردات تُقوض بهذا النوع من العلاقات.
واتسعت ردود الفعل داخل البرلمان البريطاني، إذ عبرت شخصيات من أحزاب المعارضة، مثل كيمي بادينوك زعيمة حزب المحافظين، عن استيائها من سوء تقدير ستارمر في منح اللقب لشخص أثبتت وثائق أنه كان مرتبطًا بشكل غير لائق بشخص مدان، رغم أن النتائج لم تكن ملحوظة في ذلك الوقت، ما يعكس ما وصفته بـ "سجل من المكافآت لرفاق غير مؤهلين"، وفقًا لسكاي نيوز.
وتعليقًا على ذلك، اضطر دويل نفسه إلى الاعتذار علنًا، وقال إنه ارتكب خطأ في تقييم علاقته السابقة بهذه الشخصية المدرجة في سجلات المدانين، وأعرب عن أسفه لما أحدثته القضية من تداعيات سياسية واجتماعية، بينما يتراجع عن الكثير من تصريحاته السابقة التي حاول فيها تبرير موقفه.
تأتي هذه الأزمة في وقت يواجه فيه رئيس الوزراء كير ستارمر تحديات متعددة بسبب فضيحة جيفري إبستين وتأثيرها على بعض الشخصيات البريطانية البارزة، بما في ذلك اللورد بيتر ماندلسون الذي أثيرت حوله أيضًا مطالبات بسحب لقب لورد بسبب علاقته بوثائق إبستين المنشورة التي أثارت جدلًا واسعًا في وسائل الإعلام الغربية.
وتشير متابعة صحيفة الجارديان البريطانية إلى أن هذه الأزمة تزيد الضغوط على ستارمر، الذي يواجه دعوات للاستقالة من منصبه من داخل حزبه وخارجه، بعد أن وصفت بعض الأصوات السياسية والأكاديمية تساهله في منح ألقاب ونفوذًا سياسيًا لشخصيات لها علاقات جدلية في الماضي بـ "خطأ استراتيجي يضر بسمعة الحكومة وثقة الجمهور".
وتأتي هذه المطالبات أيضًا في ظل نزاع أوسع حول معايير منح الألقاب النبيلة في بريطانيا، حيث يرى منتقدون أن النظام الحالي لا يضمن دائمًا فحصًا دقيقًا لسجل العلاقات والسلوكيات السابقة للشخصيات المرشحة لنيل ألقاب الشرف، وأن الأحداث الحالية تسلط الضوء على فجوة في المعايير الأخلاقية والقانونية المتبعة في مثل هذه القرارات.
وفي المقابل، دافع بعض الشخصيات داخل حزب العمال عن دويل، مؤكدين أن العلاقة التي أثارت الجدل كانت قديمة وذات سياق سياسي محدد في التسعينيات، وأن دويل أقر بخطئه واعتذر عنه، معتبرين أن سحب اللقب يتطلب عملية قانونية وتشريعية معقدة لا يمكن إنجازها بشكل فوري، وهو ما أكده المسؤولون في مقر الحكومة، داونينج ستريت.
ولم يكتفِ السياسيون المحافظون، من جهتهم، بانتقاد منح الألقاب، بل ذهبوا إلى المطالبة بفتح تحقيق رسمي في آليات الفحص الأمني والأخلاقي قبل منح أي ألقاب مستقبلية، معتبرين أن استمرار هذا النظام بنفس المعايير القديمة يقوّض ثقة العامة في مؤسسة الشرف النبيل وفي الديمقراطية البريطانية بشكل عام، وفقًا لصحيفة الإندبندنت البريطانية.
وبينما يتواصل الجدل في وسائل الإعلام والمجالس السياسية، يهتم المراقبون بشكل خاص بما إذا كانت الأزمة الحالية ستؤدي إلى تغييرات جذرية في نظام منح الألقاب والنزاهة السياسية في بريطانيا، أم أن الأمر سيقتصر على تداعيات مؤقتة سرعان ما تخبو دون تأثير طويل الأمد على المؤسسات الحاكمة.