"مستقبل مصر".. صمام أمان للأمن الغذائي أم "ثقب أسود" في موازنة الدولة؟
بين ليلة وضحاها، تحول جهاز "مستقبل مصر للتنمية المستدامة" من ذراع عسكرية لاستصلاح الصحراء إلى "اللاعب الوحيد" في ملف القمح والسلع الاستراتيجية في مصر. ومع انتقال مفاتيح "هيئة السلع التموينية" إلى قبضة الجهاز التابع للقوات الجوية، تفجر جدل واسع في الأوساط البرلمانية والاقتصادية حول جدوى هذا التحول وأثره على فاتورة دعم رغيف الخبز.
من "المناقصات" إلى "الأمر المباشر".. زلزال في سياسة الاستيراد
منذ ستينيات القرن الماضي، كانت مصر تشتري قمحها عبر مناقصات عالمية تتسم بالندية والعلانية، حيث تتنافس كبرى الشركات العالمية لتوريد القمح لمصر بأقل سعر وأعلى جودة. لكن القرار الرئاسي الصادر في نوفمبر 2024 ببدء تولي الجهاز مهمة الاستيراد، غيّر قواعد اللعبة تمامًا.
ويرى المؤيدون، وعلى رأسهم الدكتور شريف فاروق وزير التموين، أن الجهاز أحدث "ثورة في التكاليف"، مشيرًا إلى خفض تكاليف الشحن والأعباء التمويلية لتصل إلى 14 دولارًا للطن بدلًا من 25 دولارًا، مع نجاح لافت في تقليص الفجوة الاستيرادية بزيادة الإنتاج المحلي إلى 5 ملايين طن هذا العام.
أرقام متضاربة وطلبات إحاطة برلمانية
في المقابل، تدق الأرقام الواردة من مجلس النواب ناقوس الخطر. النائب أحمد فرغلي تقدم بطلب إحاطة يكشف فيه عن مفارقة صادمة: فبينما تتراجع أسعار القمح عالميًا بنحو 13.6%، قفز دعم الخبز في الموازنة المصرية بنحو 26 مليار جنيه (حوالي 27%).
وتشير البيانات المسربة إلى أن الجهاز يورد القمح للهيئة بسعر يتراوح بين 270 و275 دولارًا للطن، في وقت كانت الأسعار العالمية فيه تحوم حول 240 دولارًا أو أقل. هذا الفارق، الذي وصفه البعض بـ "هامش ربح" أو "مصاريف إدارية"، يطرح تساؤلًا جوهريًا: إذا كان الجهاز يوفر في الشحن، فلماذا تشتري الدولة القمح بسعر أغلى من البورصات العالمية؟
"السمسرة" أم الاستثمار؟.. اتساع رقعة الدور
لم يكتفِ الجهاز بالقمح، بل امتدت أذرعه مؤخرًا لتشمل استيراد الدواجن المجمدة قبل شهر رمضان، رغم تصريحات وزارة الزراعة بأن مصر تحقق اكتفاءً ذاتيًا بنسبة 97%. هذا التوسع دفع خبراء اقتصاد لوصف دور الجهاز الحالي بـ "الوسيط التجاري"، محذرين من أن الاعتماد على "الأمر المباشر" يقتل التنافسية ويخالف أصول الشفافية التي تطلبها المؤسسات الدولية المانحة.
قانونية التعامل بالدولار
تحدٍ آخر يواجه الجهاز يتمثل في الجانب القانوني؛ حيث تشير مصادر بوزارة التموين إلى أن التعامل بين الجهاز والهيئة يتم بالعملة الصعبة (الدولار) داخل البلاد، وهو ما قد يصطدم بمواد قانون البنك المركزي التي تحظر التعامل بغير الجنيه في المعاملات المحلية، إلا في حالات استثنائية تتعلق باتفاقيات دولية.
مستقبل "مستقبل مصر"
يقف الجهاز الآن أمام مفترق طرق؛ فإما أن يثبت فاعليته عبر تحقيق الوعد الأكبر "الاكتفاء الذاتي من القمح بحلول 2028" وبالتالي إنقاذ العملة الصعبة، أو أن يظل مجرد "وكيل حصري" يفرض رسومًا إضافية على السلع الاستراتيجية، مما يزيد من أعباء الموازنة العامة التي تعاني أصلًا من ضغوط الديون.
بين رؤية الدولة للجهاز كـ "منقذ" من احتكار التجار وتقلبات السوق، ورؤية المعارضين له كـ "محتكر جديد" لا يخضع لرقابة الأجهزة المدنية، يبقى المواطن المصري بانتظار نتيجة هذا الجدل في شكل "سعر رغيف الخبز" واستقرار توفره على المدى البعيد.
وفي هذا الصدد، أوضح الدكتور رشاد عبده، الخبير الاقتصادي، أن أسعار القمح تختلف حسب التوقيت وحجم المعروض عالميًا، مشيرًا إلى أن زيادة الكميات المعروضة عادة ما تؤدي إلى انخفاض الأسعار، وهو ما كان يصب في صالح مصر باعتبارها أكبر مستورد للقمح.
وأشار في تصريح لـ"الرئيس نيوز"، إلى أن حرائق المحصول الأمريكي خلال فترات سابقة أثرت على الإنتاج العالمي، ما أدى إلى لجوء بعض الدول إلى تخزين القمح وارتفاع أسعاره، مؤكدًا أن البديل الحقيقي لمواجهة هذه الأزمات هو التوسع في زراعة القمح المحلي ودعم الفلاح المصري.
وأضاف أن المزارع المصري يزرع مساحات محدودة بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج، مثل الري والتقاوي، فضلًا عن عدم التزام الحكومة بشراء المحصول بالسعر العادل، حيث تلجأ أحيانًا للاستيراد عند انخفاض السعر العالمي، وترفض استلام القمح المحلي إلا بأسعار منخفضة، ما يثني الفلاحين عن التوسع في زراعته.
وأكد أن العديد من الدول تحدد تكلفة زراعة القمح وتضيف هامش ربح واضح للمزارعين، ما يشجعهم على زيادة الإنتاج، خاصة إذا كان السداد بالعملة المحلية، في ظل أزمة نقص النقد الأجنبي، متسائلًا عن منطقية الاقتراض بالعملة الصعبة لتوفير الغذاء.
وأشار إلى وجود فرص حقيقية للتوسع في زراعة القمح، مستشهدًا بتجربة إحدى الشركات الإماراتية التي قامت بزراعة القمح في مصر باستخدام عمالة ومياه محلية، وبيعه للحكومة بالدولار، معتبرًا أن هذه السياسات تفسر استمرار تصدر مصر لقائمة الدول المستوردة للقمح.
وفيما يتعلق بالخلاف حول تحديد سعر القمح بين هيئة السلع التموينية وجهاز مستقبل مصر، أكد رشاد عبده أن هذا الأمر سياسي أكثر منه اقتصادي، مشددًا على أن هيئة السلع التموينية تمتلك خبرة طويلة في التعامل مع الأسواق العالمية وإدارة المناقصات وتحديد الأسعار.
من جهته، قال الدكتور عبد النبي عبد المطلب، الخبير الاقتصادي، إن نظام المناقصات عاد بعد عام 2015، لافتًا إلى أن ملف توريد القمح شهد في فترات سابقة وقائع فساد، حيث كان يتم توريد قمح مستورد على أنه محلي للاستفادة من فارق السعر.
وأوضح أن هيئة السلع التموينية كانت تعلن عن المناقصات، وتتقدم لها شركات مصرية وأجنبية، ويتم فحص القمح في دول المنشأ قبل التوريد، إلى أن بدأت الهيئة بعد عام 2011 في استيراد القمح بنفسها، خاصة من أوكرانيا.
إسناد استيراد القمح سياسي
وأضاف عبدالمطلب في تصريح لـ "الرئيس نيوز" أنه بعد إنشاء جهاز مستقبل مصر، تم إسناد مهمة توفير واستيراد القمح له، مشيرًا إلى أن مصر استوردت القمح بأسعار مرتفعة خلال فترات شح الدولار بسبب التسهيلات الائتمانية، موضحًا أن السعر العالمي لا يُعد مؤشرًا يوميًا، حيث تضاف إليه تكاليف الشحن والنقل والتخزين، ما يجعل تحديد السعر النهائي عند وصول القمح أمرًا معقدًا.
وأشار إلى أن هناك أنواعًا جيدة من القمح، مثل القمح الهندي، لكنها قد تواجه مخاطر مختلفة، مؤكدًا أن الجدل حول فروق الأسعار يظل صعب الإثبات في ظل تعدد عناصر التكلفة.