بعد وصول الأونصة لـ5300 دولار.. كيف يعيد الذهب رسم خارطة العملات دون إزاحة الدولار؟
يرجح البروفسور بول أنتراس، أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد، أن الاعتماد العالمي على الدولار الأمريكي سيستمر في التراجع خلال السنوات المقبلة، لكنه أكد أن النظام النقدي العالمي لن يعود إلى الاعتماد على الذهب كركيزة أساسية للاقتصاد.
وتحدث أنتراس في مقابلة مع بلومبرج على هامش مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة 2026، وشرح أن التحول من نظام يهيمن عليه الدولار إلى نظام متعدد العملات لن يحدث بسهولة، وأن الذهب قد يلعب دورا مؤقتا كأصل للملاذ آمن خلال المرحلة الانتقالية، لكنه استبعد أن يعود النظام النقدي كما كان في الحقبة القديمة القائمة على ربط العملة بالذهب.
وتكتسب تصريحات أنتراس المزيد من الأهمية في وقت تشهد فيه الأسواق العالمية تغييرات جوهرية في ديناميكيات العملات والأسواق المالية.
وواصل الدولار الأمريكي لعب الدور المركزي كعملة احتياط رئيسية بسبب عمق الأسواق المالية الأمريكية واستقرارها النسبي، لكن مؤشر الدولار الأمريكي تراجع أمام سلة من العملات الرئيسية ووصل إلى مستويات غير مسبوقة خلال السنوات الأخيرة، ما دفع المستثمرين إلى البحث عن بدائل آمنة في ظل التقلبات السوقية المتزايدة والتوترات الجيوسياسية المستمرة.
وأظهر هذا التراجع أن الدولار فقد جزءًا من قوته الشرائية على المدى الطويل مقارنة بالذهب، الذي سجل ارتفاعات قياسية خلال السنوات الماضية، ويبدو أنه يستعيد دوره كأصل ذو قيمة حقيقية في محافظ المستثمرين.
ويرى أنتراس أن انتقال النظام النقدي العالمي لا يعني انهيار الدولار أو عودة كاملة لنظام الذهب، لكنه يرى أن العوامل الاقتصادية العالمية المعاصرة تدفع إلى عالم أكثر تعددية في القوى المالية.
وأشار إلى أن تفكك العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة والصين خلال العام الماضي أظهر بطء النظام الحالي في التكيف مع التغيرات، وأن هذا التفكك لم يسبق له مثيل رغم استمرار التوترات الاقتصادية بين القوتين لعقود. وأضاف أن توزيع القوة الاقتصادية العالمي تغير جذريًا مقارنة بالثلاثين سنة الماضية، وأن اقتصادات مثل الصين اكتسبت ثقلًا جيوسياسيًا أدى إلى نشوء نظام مالي عالمي أكثر تعقيدًا من النظام الأحادي القائم على الدولار فقط.
وكشفت بيانات الأسواق أن ارتفاع أسعار الذهب لم يكن نتيجة عشوائية، بل جاء مدفوعا بعدة عوامل تشمل ضعف الدولار، خفض أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، وتزايد مخاطر الديون العالمية. تجاوز الذهب مستويات قياسية بلغت أكثر من 5300 دولار للأونصة، مع تراجع الثقة في الدولار نتيجة بيانات اقتصادية متذبذبة وضعف النمو مقارنة بتزايد التضخم، ما دفع المستثمرين إلى اللجوء إلى الذهب كملاذ آمن لمواجهة عدم اليقين المالي.
وتلعب البنوك المركزية العالمية دورا متناميا في تعزيز الطلب على الذهب. واصلت العديد من البنوك الكبرى توسيع مشترياتها من المعدن النفيس بوتيرة قياسية، ما يجعل الذهب جزءًا من استراتيجية تنويع الاحتياطيات بعيدًا عن الاعتماد المطلق على سندات الخزانة الأمريكية.
وتعكس هذه التحركات تصورا جديدا للمخاطر المالية، حيث تحرص الدول على حماية احتياطياتها من تبعات تقلبات العملات وتراجع قيمة السندات الدولية.
ويشير أنتراس إلى أن تراجع ارتباط الدولار بالذهب يعود إلى قرار الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون عام 1971، حين أعلن فك ارتباط العملة الذهبية عن الدولار، وهو ما أنهى نظام بريتون وودز وجعل العملات الورقية تتحدد قيمتها عبر الأسواق المالية والسياسات النقدية للبنوك المركزية. منذ ذلك الحين، أثبت الدولار قدرته على لعب دور المحور في الاقتصاد العالمي بفضل قوة السوق الأمريكية، السندات الحكومية الآمنة، والسيولة الواسعة التي يوفرها النظام المالي الأمريكي.
لا يرى أنتراس أن الاقتصاد الأمريكي ينهار كما قد يعتقد بعض المحللين، بل يرى أنه، على العكس، يستفيد من تطورات تكنولوجية مثل الذكاء الاصطناعي الذي يدعم النمو في قطاعات إنتاجية متعددة، لكنه حذر من أن السياسات التي تنحو نحو العزلة وتقليص الانفتاح التجاري الأمريكي قد تؤثر سلبا على الاقتصاد على المدى الطويل.
وأوضح أن جزءًا كبيرًا من الناخبين الأمريكيين شعر بعدم الرضا عن مسار العولمة خلال العقدين الماضيين، وهو ما دفعهم إلى دعم برامج سياسية تعد بتعديل دور الولايات المتحدة في النظام الاقتصادي العالمي وفي سياساتها التجارية.
وتطرق أنتراس أيضا إلى ترشيح كيفين وارش لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي خلفًا لـجيروم باول، وقال إن وارش يحظى بدعم واسع داخل الأسواق المالية، لكنه استبعد أن يؤدي الترشيح إلى تغيّر جذري في سياسة البنك المركزي، لأن قرارات السياسة النقدية تتخذ بأغلبية أصوات لجنة السياسة النقدية بأكملها. وأوضح أن ميل وارش إلى مواجهة الضغوط التضخمية قد يدعم الدولار الأمريكي، مما قد يحد من انخفاضه مقابل العملات الأخرى، ويقلل من ارتفاع الذهب في بعض السيناريوهات.
في الأسواق المالية، يواصل المستثمرون مراقبة توقعات النمو الاقتصادي الأمريكي، وقرارات الاحتياطي الفيدرالي، والتوترات العالمية.
وتؤثر هذه العوامل على اتجاه كل من الدولار والذهب، ففي بعض الجلسات يرتفع الدولار أمام العملات المنافسة مما يضغط على أسعار الذهب، وفي جلسات أخرى يرتفع الذهب نتيجة توقعات خفض أسعار الفائدة وتأخر نمو الاقتصاد الأمريكي مقارنة ببعض الشركاء الاقتصاديين.
وتعكس هذه المشاهدات أن النظام المالي العالمي يمر بمرحلة انتقالية معقدة، لا تعيد النظام النقدي القديم إلى الواجهة، ولا تتخلى بالكامل عن الدولار الأمريكي، بل تنشأ شبكة أكثر تعددية في العملات والأصول المالية.
ويبقى الدولار عملة الاحتياط الرئيسية في العالم، بينما يعكس الطلب المتزايد على الذهب توجه المستثمرين والدول نحو تنويع المخاطر وتخزين القيمة في أصول ملموسة لمواجهة حالات عدم اليقين.
ويشير غالبية المحللين الغربيين إلى أن الحديث عن نهاية عصر الدولار أو عودة عصر الذهب يعتمد على توقعات مستقبلية واستشراف مستمر، وليس على واقع نقدي ثابت.
ويظل الدولار الأمريكي محورا أساسيا في النظام المالي العالمي، بينما يحتفظ الذهب بدوره كأصل تحوط استراتيجي في أوقات التوتر الاقتصادي والسياسي، لكنه اليوم ليس مرجعًا نقديا رئيسيا كما كان في الحقبة الماضية، ويستمر النظام العالمي في التحول نحو تعددية اقتصادية معقدة ومتنوعة.