فراغ استراتيجي أم هيمنة جديدة؟.. تجدد النقاشات حول استراتيجية ترامب للأمن القومي
أعادت استراتيجية الدفاع الوطني الأمريكية لعام 2026 فتح نقاش واسع داخل الأوساط السياسية والعسكرية في واشنطن وخارجها، ليس فقط بسبب ترتيبها الجديد للأولويات الاستراتيجية، بل أيضًا بسبب لغتها الصريحة ونهجها الحاد في توصيف التحديات والخصوم والحلفاء على حد سواء. الوثيقة، التي صدرت في أواخر يناير، تمثل الامتداد التنفيذي العملي لـ«استراتيجية الأمن القومي 2025»، وتشرح بصورة أكثر مباشرة كيف تعتزم المؤسسة العسكرية الأمريكية ترجمة رؤية إدارة دونالد ترامب إلى سياسات دفاعية ملموسة، وفقا لمجلة ناشيونال إنترست.
اللافت منذ السطور الأولى إلى أن الاستراتيجية الجديدة لا يمكن وصفها بالانعزالية، رغم اتهام منتقدي ترامب المتكرر لإدارته بالانسحاب من العالم. على العكس، تعكس الوثيقة رغبة واضحة في إعادة فرض الهيمنة الأمريكية، ولكن وفق حسابات مختلفة، وأكثر انتقائية، تقوم على ترتيب ساحات الصراع بحسب أهميتها المباشرة للمصلحة القومية الأمريكية.
أولوية نصف الكرة الغربي.. وإعادة تعريف مركز الثقل
تضع الاستراتيجية نصف الكرة الغربي على رأس سلم الأولويات، متقدمة على منطقة المحيطين الهندي والهادئ، التي حلت في المرتبة الثانية، ثم أوروبا في المركز الثالث بفارق واضح، بينما تراجعت بقية الأقاليم إلى مراتب ثانوية. هذا التحول يعيد إلى الأذهان عقيدة مونرو، وإضافاتها التاريخية، وصولًا إلى ما يمكن تسميته بـ"الملحق الترامبي'' لتلك العقيدة، والذي يركز على استعادة السيطرة الأمريكية الصلبة على محيطها الجغرافي المباشر.
وكان وزير الدفاع بيت هيجسيث قد شدد في المذكرة التمهيدية على أن إعادة ترتيب الأولويات لا تعني انسحاب الولايات المتحدة من العالم، بل تعني استخدام القوة بذكاء. فالوثيقة تؤكد نية واشنطن ردع الصين بوصفها الخصم الخارجي الأهم، والحفاظ على التفوق العسكري، مع مساعدة الحلفاء على الدفاع عن أنفسهم بدلًا من الاعتماد الكامل على القوات الأمريكية.
هل كانت أمريكا انعزالية؟
النقاش حول الانعزالية ليس جديدًا في التاريخ الأمريكي. يرفض العديد من المؤرخين هذا الوصف، حتى في المراحل المبكرة من عمر الجمهورية. صحيح أن الآباء المؤسسين، مثل جورج واشنطن وتوماس جيفرسون، حذروا من التحالفات المتشابكة، لكنهم لم يدعوا إلى الانغلاق. وسعت الولايات المتحدة، منذ تأسيسها، إلى التجارة العالمية وحماية مصالحها البحرية، وأرسلت أساطيلها إلى المتوسط وآسيا في القرن التاسع عشر.
من هذا المنطلق، يفضل بعض الباحثين توصيف السياسة الأمريكية القديمة بـ«الأحادية» بدلا من الانعزالية، أي اختيار المعارك والالتزامات وفق المصلحة والظرف، دون التورط الدائم في صراعات لا تخدم الهدف الأساسي. وهو توصيف يبدو قريبًا جدًا من روح استراتيجية ترامب الدفاعية.
معضلة التزامن… ولماذا لا يمكن القتال في كل مكان
تقر الاستراتيجية بحقيقة استراتيجية صلبة: لا تستطيع أي قوة، مهما بلغت قدراتها، أن تنافس في كل الجبهات في الوقت نفسه. الوثيقة تسمي هذا التحدي بـ"مشكلة التزامن"، وتؤكد أن جوهر الاستراتيجية هو تحديد الأولويات وتكثيف الموارد حيث تكون العوائد أعلى والمخاطر أقل.
هذا المنطق يستدعي أفكار المفكر العسكري البروسي كارل فون كلاوزفيتز، الذي شدد على ضرورة تركيز الجهد في المسرح الرئيسي، وعدم تشتيت الموارد إلا إذا كان العائد الاستراتيجي استثنائيًا ولا يهدد الهدف الأهم. وبحسب هذا المنظور، لا ترى إدارة ترامب مبررًا للمغامرة بالمصالح الأمريكية الحيوية في نصف الكرة الغربي أو آسيا من أجل التزامات أقل أهمية في مناطق أخرى.
تقاسم الأعباء… رسالة مباشرة للحلفاء
أحد أكثر محاور الاستراتيجية إثارة للجدل هو التركيز الصريح على "تقاسم الأعباء". وتطالب الوثيقة الحلفاء، خصوصا في أوروبا ومناطق أخرى، بتحمل المسؤولية الأساسية عن أمنهم، مع دعم أمريكي محدود لكنه حاسم. الرسالة تتكرر بصيغ متعددة داخل النص: الولايات المتحدة ستساعد، لكنها لن تحمل العبء وحدها.
وتستخدم الاستراتيجية مقارنة اقتصادية لافتة بين الناتج المحلي الإجمالي لدول حلف شمال الأطلسي الأوروبية وكندا من جهة، وروسيا من جهة أخرى، لتؤكد أن الفجوة الاقتصادية الهائلة تمنح أوروبا القدرة الكاملة على الدفاع عن نفسها إذا توفرت الإرادة السياسية. هذا الطرح يعكس رؤية كلاوزفيتز المتشككة تجاه التحالفات، حيث يرى أن الحليف الذي لا يعتبر الهدف مصيريًا لن يقاتل بنفس العزم.
الصين… جدار عكسي في المحيط الهادئ
في مواجهة الصين، تعتمد الاستراتيجية على مفهوم المنع عبر الحرمان، من خلال تعزيز الدفاعات على طول سلسلة الجزر الأولى الممتدة من اليابان مرورا بتايوان والفلبين وصولًا إلى جنوب شرق آسيا. الهدف هو تحويل هذه السلسلة إلى حاجز عسكري وجغرافي يقيد حركة القوات الصينية، ويحد من قدرتها على الوصول إلى المحيط الهادئ المفتوح.
هذا النهج لا يهدف فقط إلى الردع العسكري، بل أيضًا إلى التأثير النفسي والاستراتيجي، عبر خلق شعور دائم لدى بكين بأن أي مغامرة عسكرية ستكلفها ثمنًا باهظا سواء اقتصاديا أو عسكريا.
وتعكس استراتيجية الدفاع الوطني لعام 2026 عودة صريحة إلى منطق القوة والمصلحة في زمن تنافس دولي حاد. هي ليست وثيقة توافقية، ولا تخلو من الجدل، لكنها تقدم رؤية واضحة لكيفية إدارة الولايات المتحدة لصراعاتها وأولوياتها في عالم يتجه بسرعة نحو الاستقطاب.