< هشاشة الثقة في النخب.. كيف هزّت ملفات إبستين المشهد الثقافي والسياسي في أوروبا؟
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

هشاشة الثقة في النخب.. كيف هزّت ملفات إبستين المشهد الثقافي والسياسي في أوروبا؟

وزير الثقافة الفرنسي
وزير الثقافة الفرنسي السابق لانج

شهدت أوروبا نصيبها الأكبر من التداعيات السياسية والإعلامية الزلزالية لإفراج وزارة العدل الأمريكية عن وثائق الممول الأمريكي جيفري إبستين، بإجمالي يقارب 3.5 مليون صفحة مع الإصدارات السابقة، حيث أدت الوثائق مجتمعة إلى استقالات فورية، وتحقيقات شرطية، وأزمات حكومية في عدة دول، وفقًا لمصادر غربية موثوقة مثل هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي نيوز".

ووفقًا لموقع بوليتيكو، استقال الوزير السابق للثقافة جاك لانج من رئاسة معهد العالم العربي بعد ورود اسمه أكثر من 600 مرة في ملفات إبستين، مع فتح تحقيق مالي أولي في شبهة غسل أموال مرتبطة باحتيال ضريبي عبر شركات "أوف شور".

وتحولت ملفات جيفري إبستين إلى زلزال سياسي وإعلامي عالمي، وكانت أوروبا الساحة الأكثر اهتزازًا، إذ شهدت القارة سلسلة من الاستقالات والتحقيقات التي طالت شخصيات بارزة في الثقافة والسياسة، ما كشف هشاشة الثقة في النخب الحاكمة ووضعها في مواجهة مباشرة مع الرأي العام.

واجهت فرنسا أزمة ثقافية وسياسية بعد ورود اسم وزير الثقافة السابق جاك لانج أكثر من ستمائة مرة في الوثائق، مع روابط مالية محتملة عبر شركات خارجية. 

واضطر لانج إلى الاستقالة من رئاسة معهد العالم العربي، فيما فتحت السلطات تحقيقًا ماليًا أوليًا في شبهة غسل أموال واحتيال ضريبي، ما أثار جدلًا واسعًا حول علاقة النخبة الثقافية بشبكات النفوذ المالي.

أما النرويج، فلم تكن بمنأى عن التداعيات، إذ أعلنت الشرطة فتح تحقيق جنائي مع رئيس الوزراء السابق ثوربيورن جاجلاند بشبهة فساد مرتبط بمزايا تلقاها من إبستين أثناء توليه مناصب في لجنة نوبل ومجلس أوروبا. 

كما واجهت ولية العهد الأميرة ميتي-ماريت انتقادات حادة بسبب مراسلاتها مع إبستين بعد إدانته عام 2008، ما كشف هشاشة الثقة في المؤسسة الملكية. 

وفي سلوفاكيا، استقال ميروسلاف لاجكاك من منصبه كمستشار للأمن القومي بعد الكشف عن مراسلاته مع إبستين.

أما في الولايات المتحدة، فقد ركزت الوثائق على روابط إبستين مع شخصيات بارزة مثل دونالد ترامب، بيل كلينتون، إيلون ماسك، وبيل جيتس. 

ورغم أن هذه الإشارات لم تؤد إلى استقالات فورية، إلا أنها دفعت الكونجرس إلى فتح جلسات استماع جديدة، فيما أعلنت جامعات مرموقة مثل هارفارد وبرينستون مراجعة علاقاتها السابقة مع إبستين والتحقيق في التمويلات التي تلقتها.

ومن الأسماء اللافتة التي ظهرت في الوثائق، المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي، الذي أظهرت رسائل بريدية أنه تلقى اتصالات من إبستين عام 2019 طلب فيها نصائح حول كيفية التعامل مع التغطية الإعلامية المتصاعدة لقضايا الاتجار بالبشر. 

ورغم أن الوثائق لا تشير إلى أي تورط جنائي، أثار ذكر اسم تشومسكي جدلًا واسعًا في الأوساط الأكاديمية والإعلامية.

وفي المملكة المتحدة، أدت الوثائق إلى استقالة اللورد بيتر ماندلسون من حزب العمال ومجلس اللوردات، وفتح تحقيق شرطي في شبهة إساءة استخدام منصبه بتسريب معلومات حساسة لإبستين خلال الأزمة المالية 2008، فيما قدم رئيس الوزراء كير ستارمر اعتذارًا لضحايا إبستين عن تعيينه سفيرًا سابقًا لبريطانيا في واشنطن.

وفي أمريكا اللاتينية، وردت أسماء رجال أعمال في المكسيك والبرازيل والأرجنتين، لكنها لم تسفر عن تداعيات سياسية كبرى. أما في روسيا والصين، فقد التزمت السلطات الرسمية الصمت أو قللت من أهمية القضية، معتبرة أنها شأن داخلي أمريكي. 

وفي الشرق الأوسط، أشارت بعض التقارير إلى ورود أسماء رجال أعمال في الخليج، دون ذكر مسؤولين حكوميين بشكل مباشر، فيما ركز النقاش الإعلامي على البعد الأخلاقي والسياسي للقضية.

ولم تكن المؤسسات الثقافية والأكاديمية حول العالم بعيدة عن هذه التداعيات، إذ أعلنت العديد منها مراجعة علاقاتها السابقة مع إبستين، خصوصًا بعد الكشف عن تمويلات مشبوهة لمشاريع بحثية وفنية، ما سلط الضوء على مدى تغلغل شبكات النفوذ المالي في مجالات الثقافة والعلوم وأثار تساؤلات حول استقلالية هذه المؤسسات.

ويبدو أن ملفات إبستين كشفت بالفعل عن منظومة متشابكة من النفوذ السياسي والاقتصادي والثقافي على مستوى عالمي. أوروبا بدت الأكثر تأثرًا، حيث سقطت شخصيات بارزة وتصدعت الثقة بالنخب، فيما بقيت التداعيات في الولايات المتحدة وأماكن أخرى محدودة لكنها حساسة. 

وبينما يصر كثير من المسؤولين على براءتهم، يكفي مجرد ورود أسمائهم في هذه الوثائق لإحداث زلازل سياسية وإعلامية قد تمتد آثارها لسنوات طويلة.